كتاب وأراء

عملية القدس.. تطور نوعي في المقاومة

أدت عملية تفجير العبوة الناسفة النوعية في القدس المحتلة، في بداية الأسبوع الفائت، والتي أسفرت عن جرح العشرات من المستوطنين الصهاينة، أدت إلى توجيه صفعة قوية للحكومة الإسرائيلية والقادة الأمنيين في كيان العدو الإسرائيلي الذين كانوا، حتى قبيل حصول العملية، يتفاخرون في أنهم نجحوا في الحد من العمليات الفلسطينية وفي السيطرة على الانتفاضة ومحاصرتها بفعل حزمة من الخطوات التي تم اعتمادها.

إن عملية القدس جاءت لتبدد كل هذا الاعتقاد الإسرائيلي وتجعل من كلام يعلون مجرد أمنيات، ولتؤكد من جديد ليس فقط الفشل الأمني الإسرائيلي وعجز كل الإجراءات الاحترازية، وإنما أيضاً عدم قدرة أجهزة الأمن الإسرائيلية بالحصول على المعلومات الاستخباراتية التي تمكنها من منع مثل هذه العمليات قبل وقوعها، وهو ما يؤشر أيضاً إلى فشل موازي لأجهزة الأمن الفلسطينية، المتعاونة مع الاحتلال في مواجهة الانتفاضة وعملياتها.

ومثل هذا الفشل الأمني الجديد يكشف بوضوح انهيار كل منظومة الإجراءات التي جرى التباهي بأنها أسهمت في تراجع العمليات الفدائية، وهو ما دفع الدوائر الأمنية الإسرائيلية إلى الإقرار بالعجز عن استيعاب تطور العمليات الفدائية من عملية الطعن والدهس إلى العمليات النوعية في استخدام العبوات الناسفة ذات الصناعة المحلية المبتكرة، ما دفع هذه الأوساط الأمنية إلى التخوف من أن تكون عملية القدس مؤشراً على عودة عمليات تفجير الحافلات على غرار ما حصل إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية سنة 2000.

ولم تكن هذه النتيجة الوحيدة التي أشرت إليها عملية القدس،فهي أيضاً بددت آمال المستوطنين بالعيش بأمن واستقرار في ظل استمرارهم في عمليات الاستيطان والتهويد والاعتداء على الفلسطينيين، وتدنيس مقدساتهم، وأثبتت من جديد بأن إسرائيل ومستوطنيها لا يمكنهم أن ينعمون بالأمان والشعب الفلسطيني مسلوب الحقوق ويعاني من الاحتلال والاضطهاد والإرهاب اليومي.وظهر ذلك بوضوح من خلال الآتي:

أولاً: تخوف المستوطنين من الصعود لوسائط النقل العام لا سيما الاوتوبيسات.

ثانياً: أعادت العملية إلى أذهان المستوطنين أجواء عمليات التفجير التي اجتاحت شوارع تل أبيب والقدس وحيفا خلال انتفاضة الأقصى، وهو ما بات يرعب الرأي العام الصهيوني.

ثالثاً: إقدام بعض المعلقين الإسرائيليين على السخرية من المسؤولين الذين احتفلوا مؤخراً بتراجع عمليات المقاومة، والتي بلغت حد أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو تباهى بدوره في وضع حد لعمليات الطعن والدهس.

رابعاً:إقرار إسرائيلي في ارتكاب المزيد من الأخطاء في قراءة دلالات تراجع العمليات، وكذلك في قراءة دلالات عملية التفجير الجديدة، وأن العملية تدل على خطورة المرحلة التي تمر بها إسرائيل مع الخوف من تصاعد العمليات رداً على تزايد دعوات المستوطنين بتكثيف عمليات اقتحام المسجد الاقصى.

غير أن عودة حالة الهلع والرعب لتسود في أوساط الرأي العام الإسرائيلي، وتزايد القلق لدى المسؤولين والمعلقين الإسرائيليين يؤشران إلى أمر مهم وهو أن ما يحصل في فلسطين المحتلة إنما يدلل على أننا أمام تطور جديد في العمليات الفدائية غير المسيطر عليها، والتي لا يبدو أن منفذيها ينتمون إلى فصائل المقاومة الفلسطينية المعروفة، تماماً كما كان اندلاع الانتفاضة الثالثة من خارج الأطر الموجودة ومفاجئاً للجميع.

فالعملية النوعية إنما تعكس انتقال شبان الانتفاضة إلى مستوى جديد في عملياتهم الفدائية الأكثر تأثيراً وعلى نحو فاجأ قادة الاحتلال في لحظة اعتقادهم بأنهم نجحوا في احتواء الانتفاضة وعملياتها، فإذا بعملية القدس، لا تعيدهم فقط إلى المربع الأول، وإنما جاءت أيضاَ لتؤكد أن الوضع الفلسطيني فعلياً هو أمام تحول جديد في مسيرة النضال الوطني التحرري ضد الاحتلال، بدأ مع اندلاع الانتفاضة الثالثة قبل ستة أشهر، وتطور الآن مع انتقال علمياتها إلى مستوى نوعي جديد، تجسد في زرع العبوات الناسفة، وأن هذه المسيرة تشق طريقها بعيداً عن أعين أجهزة أمن الاحتلال، والسلطة الفلسطينية، الأمر الذي أربك هذه الأجهزة وجعلها في حالة من التخبط، أمام إرادة وإصرار الشعب الفلسطيني، ولا سيما الجيل الجديد منه، على العودة إلى إيقاد شعلة المقاومة الشعبية والمسلحة، وإحباط خطط اطفائها، وبالتالي إبقاء قضية فلسطين حية تنبض بروح المقاومة التي لا يمكن أن تنطفئ طالما بقي الشعب الفلسطيني غريباً في أرضه يعاني من كل صفوف عسف الاحتلال.



بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي