كتاب وأراء

«عملية محدودة» .. كيماوي الأسد وحسابات ترامب

- 1 -
في عام 1998م، قرَّر الرئيس الأميركي بيل كلينتون، توجيه ضرباتٍ صاروخيةٍ مُباغتةٍ لمصنع الشفاء في السودان، بذريعة أنه يُستخدم لصناعة الأسلحة الكيميائية لمصلحة تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن.
ضربة المصنع بصواريخ كروز الأميركية جاءت متزامنةً مع ضربة أُخرى، وجَّهها بيل كلينتون لمُعسكرات تنظيم القاعدة في جبال أفغانستان.
التفسير الذي راج في ذلك الوقت، أن بيل كلينتون كان يُعاني من تداعيات فضيحته الجنسية مع المُتدرِّبة بالبيت الأبيض مونيكا لوينسكي؛ لذا أصدر أوامره بقصف مصنع الشفاء، وعددٍ من مواقع تنظيم القاعدة في أفغانستان، لصرف الأنظار عن تلك الفضيحة.
-2-
رُبَّما اتجه بعض المراقبين إلى ذات النحو لتفسير استهداف البحرية الأميركية صباح الجمعة قاعدة الشعيرات العسكرية، قُرْبَ حمص بصواريخ توماهوك، بمبرر أن الغارة على مدينة خان شيخون، قرب إدلب، انطلقت من تلك القاعدة التي استخدم خلالها نظام الأسد الأسلحة الكيميائية ضد المواطنين الأبرياء.
صحيح أن الرئيس دونالد ترامب يُكابد أزمات ومشكلات داخلية عصية، حيث تزداد كُلَّ يومٍ الأصوات المُناوئة له حتى داخل حزبه، وفي الكونغرس، وذلك لقراراته الهوجاء ومواقفه المُتطرِّفة وتصرُّفاته الخرقاء.
ورغم قصر فترته في الحكم، إلا أنه راكمَ عداواتٍ كثيرةً مع القضاء ووسائل الإعلام، وداخل الكونغرس.
وبإمكان هذه التيارات المُعارضة، أن تُعيق مسيرته في الحكم، وتُعطِّل تنفيذ البرنامج الذي أوصله إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية.
-3-
لا يزال ترامب مُتعسِّراً في إقرار القوانين الجديدة، وإقرار تغييرات جذرية في برامج العناية الصحية، وتغيير القوانين الضرائبية والحدِّ من الهجرة.
ويتوقع المُراقبون أن يُواجه ترامب انتقاداتٍ جديدةً من المُشرِّعين الديمقراطيين والجمهوريين (عندما يُقدِّم ميزانيته الجديدة للكونغرس، والتي تشمل زيادة الإنفاق العسكري (بقيمة 54 مليار دولار)، والتعويض على ذلك باقتطاع ميزانية المساعدات الخارجية، وهي جزءٌ من ميزانية وزارة الخارجية، وتخفيض الإنفاق على حماية البيئة، والإسكان العام، والتمويل الحكومي للفنون).
رغم كُلِّ ذلك، فإن قرار توجيه ضربة صاروخية لسوريا في هذا التوقيت سيُحقِّقُ لدونالد ترامب مكاسب عدَّة غير صرف الأنظار عن أزماته الداخلية.
-4-
حينما وجَّه ترامب خطاباً إلى الأُمَّة الأميركية صباح الجمعة، نقلته شاشات التلفزة مباشرة من منزله في فلوريدا، قال فيه: (الثلاثاء، شنَّ الديكتاتور السوري بشار الأسد هجوماً مُروِّعاً بأسلحة كيميائية على مدنيِّين أبرياء باستخدام غاز الأعصاب القاتل. انتزع الأسد أرواح رجال ونساء وأطفال لا حول لهم ولا قوة).
وتابع: (الليلة أمرت بتنفيذ ضربة عسكرية مُحدَّدة الهدف في سوريا على المطار الذي شَنَّ منه الهجوم الكيميائي. من مصلحة الأمن القومي الحيوي للولايات المتحدة منع وردع انتشار واستخدام الأسلحة الكيميائية القاتلة).
فهو بذلك يعلن عودة الولايات المتحدة الأميركية الدولة القوية القادرة على ردع المُغامرين الدوليِّين عبر ضربات عسكرية جراحية دقيقة، لا تُورِّطها في حرب مكلفة وطويلة مثل ما فعل جورج دبليو بوش في العراق وأفغانستان.
يضاف إلى ذلك أنه يُرسِّخُ صورةً له مُناقضةً لسلفه باراك أوباما، المُتَّهم بالسلبية والتردُّد في التعامل مع الملف السوري.
-5-
ترامب وهو يعلن عن الغارة الصاروخية على قاعدة الطيران السورية، أكد في بيانه أنها عملية محدودة مُتعلِّقة بما قامت به قوات بشار الأسد في مدينة خان شيخون. وبهذا يحتفظ لنفسه بعدم الدخول الكامل في الحرب وباحتمال العودة مرَّة أخرى إذا دعا الوضع لذلك.
إعلان وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن الولايات المتحدة أبلغت روسيا مُسبقاً بالضربة هذا يدلُّ على عدم رغبة واشنطن في الدخول في مواجهة مفتوحة مع موسكو.
-6-
الخطوة التي اتخذها ترامب صباح الجمعة ستكون لها آثار إيجابية بالنسبة لما يُثار ضدَّه من اتهامات بخصوص الاتصال بالروس أثناء الانتخابات.
فلا تزال لجان الاستخبارات وغيرها تواصل تحقيقاتها حول تدخل روسيا في الانتخابات، وأن اتصالات جرت بين شخصيات روسية، ربما تشمل عملاء للاستخبارات الروسية ورجال أعمال روسا من المقربين للرئيس فلاديمير بوتين مع مسؤولين في حملة ترامب الانتخابية.
بصواريخ توماهوك، اصطاد ترامب عصافيرَ كثيرة من فوق الشجرة.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال