كتاب وأراء

النموذج الصيني.. تطويع التنظير الأيديولوجي

في كل مرة تزور الصين تتعرف أكثر على المزيد من المزايا والخصائص الهامة في سياساتها الداخلية والخارجية، وكيفية نجاحها المذهل في بلوغ عتبة متقدمة من التطور والتقدم الزراعي والصناعي والتكنولوجي والمعلوماتي وعلى مستوى العمران والمواصلات، وكذلك حجم الانفتاح والانتظام على صعيد العلاقات بين القوميات المتعددة التي يتكون منها الشعب الصيني، والحرص على رفع مستوى الأداء والجهد المتواصلين من قبل الحزب الشيوعي الحاكم في البلاد للارتقاء بالصينيين إلى مراتب متقدمة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي بما يمكنهم من التنعم بمستوى لائق من المعيشة على طريق تحقيق العدالة الاجتماعية المتوخاة من التزام الحزب للخيار الاشتراكي الذي يجري تطبيقه بما يتناسب مع ظروف وواقع الصين.

وهذا يعني أن الصين تعتمد حاليا وفي آن واحد نظامين في الاقتصاد، نظام اشتراكي، ونظام رأسمالي، لكن مع لفت الانتباه إلى أن كل ما يحصل من تطوير اقتصادي بأدوات رأسمالية في الصين إنما يتم في اطار مخطط وضعه النظام الاشتراكي بقيادة الحزب الشيوعي الحاكم، والذي يضمن من خلاله عدم حصول أي انقلاب سياسي لصالح السياسات الأميركية الغربية، كما حصل في الاتحاد السوفياتي السابق.

من هنا فان التحديث الاقتصادي مشروط في أن تكون الأولوية فيه لمصلحة الجماعة، وبالتالي فان الهدف من السماح بدخول الشركات الأجنبية للاستثمار في الصين مساعدة القطاع العام الصيني الاشتراكي على التطور والتقدم، والمسؤولون الصينيون، ومنذ بدء مسيرة الاصلاح والانفتاح، وضعوا ضوابط تمنع الشركات الخاصة والذين يستفيدون من ذلك بتحقيق الثروات الكبيرة، من استخدام إمكاناتهم المحتملة كركيزة لتكوين قوة مستقلة تشكل في النهاية خطراً على النظام الاشتراكي القائم.

وهناك مثل حي حصل في نهاية الثمانينات وتأكد من خلاله أن الحزب الشيوعي الصيني يملك زمام السيطرة وهو يراقب عمل الشركات الخاصة الأجنبية، وقادر على وضع حد لها في أي لحظة تخرج فيها عن دورها الاقتصادي المرسوم لها وفق الشروط الصينية للاستثمار والعمل في الصين.

وهذا المثال هو شركة ستون التي تعتبر أكبر مشروع خاص للتقانة العالية في الصين، وتجاوزت مبيعاته الـ 700 مليون دولار وتتباهى بمشروعاتها التجارية المشتركة مع شركات بانا سونيك، وكومباك، ومتسوي وبوجود قسم لها في سوق أسهم في هونغ كونغ وتعاملها في الكثير من الأنشطة الاقتصادية من أطعمة الأطفال والرقابة الصناعية والأثاث وشطائر الشيكولاته، وتعاملها كذلك في الأدوية والتداول في العقارات وتجارة الأوراق المالية والسندات والصيرفة التجارية.

لكن هذه الانجازات لشركة ستون إنما تعتمد اعتماداً يكاد يكون كاملاً على الحكومة الصينية، فهي وعلى الرغم من أنها شركة خاصة، إلاّ أنها عملياً مسجلة من الناحية القانونية مشروعاً جماعيا ( مثل باقي الشركات الخاصة) ما يعني أنها خارج نظام الدولة لكنها في الوقت نفسه تخضع لمحاسبتها، وهذا ما حصل عندما شارك عدد من أعضاء الشركة والعاملين فيها في الاحتجاجات التي نظمت ضد الحكومة عام 1989 في ميدان تيان آن مين في وسط بكين، حيث اقتحم جيش التحرير الشعبي مكاتب الشركة لفترة وهرب ثلاثة من كبار مديري الشركة إلى خارج الصين.

واليوم عادت الشركة إلى العمل في الصين بعد أن تلقت درساً، وأدركت أنها لا تستغني عن سوق الصين المغرية، كما غيرها من الشركات الأجنبية، وهو ما تتقن الحكومة الصينية الاستفادة منه بنجاح في خدمة تطوير اقتصادها الاشتراكي وتحقيق التنمية المستدامة التي تقضي على الفقر وتمكنها مع الوقت من بلوغ مجتمع رغيد الحياة.

إن سر هذا النجاح الصيني إنما يكمن في التطبيق السليم والصحيح للاشتراكية بطريقة مبدعة وخلاقة بعيداً عن القوالب الجامدة التي أوصلت الاتحاد السوفياتي إلى التفكك والانهيار ومعه العديد من دول أوروبا الشرقية، ما يعني أن المشكلة لم تكن في النظرية الاشتراكية، وإنما في طريقة تطبيقها التي يجب أن تنسجم مع الظروف الخاصة لكل بلد وعلى نحو يقود إلى تلمس سكان هذا البلد فوائد الاشتراكية بشكل تدريجي ومتزايد ما يجعلهم يتمسكون بالاشتراكية، وهذا ما يحصل فعلاً في الصين، حيث يتحسن مستوى المعيشة والدخل باطراد ويجري القضاء على الفقر ويتحقق التقدم والتطور والازدهار.



بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي