كتاب وأراء

أزمة الاقتصاد الأميركي .. قــدرة تــرامــب مــحـــدودة

يبدو من الواضح أن التقرير الاقتصادي عن واقع العجز في الميزان التجاري الأميركي لعام 2016 عزز الاقتناع بان الاقتصاد الأميركي لا يزال غير قادر على استعادة عافيته، وأن المحاولات التي بذلتها الإدارة السابقة برئاسة باراك اوباما لم تنجح في رفع معدلات النمو ولو بنسبة متواضعة، بحيث تصل إلى 2 بالمائة بدلاً من 6‚1 بالمائة، على الرغم من الإجراءات التقشفية التي اتخذت لتقليص الإنفاق الخارجي لصالح تنشيط الاقتصاد الراكد، وتوفير فرص عمل تخرج أميركا من آتون الأزمة التي عصفت بها عام 2008، ولا زالت مستمرة وتلقي بأعبائها الثقيلة على الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية.
وتشير بيانات مكتب التحليل الاقتصادي في الولايات المتحدة، بان الاقتصاد الأميركي سجل التراجع الأكبر في العام 2016، حيث ظلت معدلات النمو عند حدود 6‚ا بالمائة، فيما كان المحللون يتوقعون أن تسجل 2 بالمائة.
والسبب الذي يؤدي إلى استمرار تزايد العجز يكمن في تراجع الصادرات في مقابل ارتفاع الواردات، ما أدى إلى ارتفاع إجمالي العجز في الميزان التجاري إلى أكثر من 500 مليار دولار، نصف هذا العجز بسبب التجارة مع الصين.
على أن هذا العجز في الموازنة واستمرار الإنفاق الخارجي أديا إلى رفع إجمالي الدين العام الفيدرالي لحكومة الولايات المتحدة في عام 2015 إلى أكثر من 6‚19 تريليون دولار، بزيادة بلغت نحو 9 تريليون دولار خلال فترة حكم الرئيس باراك اوباما، ما يعني أن الدين العام قد ارتفع ليتجاوز الـ 20 تريليون دولار، مع نهاية عام 2016، بما يشكل نحو 110 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.
إن مثل هذه الأرقام المهولة في ارتفاع منسوب الدين العام، والتي لا سابق لها في التاريخ، تجعل أميركا الدولة الأكثر مديونية في العالم.
وتسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب للخروج من هذه الحلقة الجهنمية، التي باتت تدور فيها الولايات المتحدة، عبر فرض سياسة حمائية تشدد الرقابة التجارية، وتضمن عدم تهرب المستوردين من دفع الرسوم، وزيادة نسبة الرسوم لحماية الإنتاج المحلي وتمكينه من زيادة النمو وايجاد فرص عمل تحد من البطالة، والعمل على معالجة أسباب تعميق العجز التجاري الذي يتسبب باستمرار العجز في الميزانية.
هذا الواقع المالي والاقتصادي يؤشر إلى أن إدارة ترامب تواجه معضلة كبيرة، فهي بحاجة أولاً إلى الأموال للنهوض بالبنية التحتية، كما أنها بحاجة ثانياً إلى رفع معدلات النمو إلى مستويات تتجاوز الـ 3 و4 بالمائة، لوضع حد للعجز في الموازنة الذي يتسبب باستمرار الاستدانة عبر سندات الخزينة.
وهي تحتاج ثالثاً، بعد تحقيق كل ذلك، إلى توفير فائض من الأموال لسداد الدين وفوائده للبدء بمسار خفض حجم الدين، وصولاً في نهاية المطاف إلى التخلص منه. غير أن هذه المعادلة، التي تتطلب وقتاً طويلاً بالقياس إلى المقدار الكبير للدين، يحتاج تحقيقها إلى تطبيق سياسات تقشفية قاسية، تبدأ بتقليص كبير في حجم الإنفاق الخارجي والذي يعني وقف أو خفض الدعم لدول حليفة للولايات المتحدة، والتوقف عن التدخلات العسكرية في الخارج، حتى ولو كانت دون مستوى الذهاب إلى شن الحروب.
كما انه يجب الأخذ بالاعتبار أن سياسة الحمائية لن تقود إلى استعادة نسب النمو السابقة التي كانت تجعل من أميركا البلد المسيطر على الاقتصاد العالمي، وذلك بسبب المنافسة الشديدة التي تشكلها اقتصادات الدول الناشئة، وفي الطليعة منها الصين، والتي لم يعد بإمكان أميركا الحد منها، خاصة بعد أن أخفقت حروب أميركا في أفغانستان والعراق في إعادة تعويم الهيمنة الأميركية الأحادية بوساطة القوة العسكرية، والتي كلفت أميركا أموالا طائلة أرهقت اقتصادها وتسببت بانفجار الأزمة عام 2008.
انطلاقاً من هذا الواقع يبدو من الواضح أن إدارة ترامب ستكون أمام حقيقة أن أميركا لن يكون بمقدورها استعادة زمن البحبوحة وما يسمى الحلم الأميركي، الذي وعد الأميركيين بالعمل على استعادته، وأنه أن أوان التسليم بتراجع القوة الاقتصادية للولايات المتحدة وانه لم يعد بمقدورها مواصلة الإنفاق الذي يتجاوز حدود قدراتها.
من هنا فانه من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى إضعاف مكانة أميركا العالمية، وأن يقود إلى تكريس نهاية عصر الإمبراطورية الأميركية وأفوله، ولهذا فان إدارة ترامب يجب أن تدرك محدودية قدرتها على إخراج أميركا من أزمتها الاقتصادية والمالية البنيوية، وأنها إذا ما أرادت عدم مواصلة الغرق بالأزمة، وتجنب استمرار انحدار القوة الأميركية أكثر، فان عليها التسليم والإقرار بأن العالم دخل مرحلة جديدة لا يمكن أن يستقر فيها إلاّ إذا تم إعادة تشكيل النظام العالمي على أسس من التعددية والشراكة والتعاون، بدلاً من نظام الهيمنة على العالم الذي أصبح من الماضي.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي