كتاب وأراء

«يوم الأرض».. وطريق الحفاظ على عروبتها

في 30 مارس المنصرم، وكما كل عام في هذا التاريخ، أحيا ويحيي الشعب العربي الفلسطيني في كل مناطق تواجده في الداخل والخارج ذكرى يوم الأرض، وهو اليوم الذي انتفض فيه العرب الفلسطينيون في المناطق المحتلة من فلسطين عام 1948 ضد الإجراءات التعسفية لسلطات الاحتلال الإسرائيلي الهادفة إلى الاستيلاء على أراضيهم في منطقة الجليل في سياق المخطط الإسرائيلي لاستيطانها وتهويدها، وبالتالي تشتيت التجمع الأكبر للفلسطينيين في أراضي 48 لإضعاف نضالهم وتواصلهم وقوتهم.

وقد أدرك الفلسطينيون في الجليل أبعاد هذا المخطط وخطورته على وجودهم في أرضهم والحفاظ على هويتها العربية، ولهذا توحدوا في انتفاضة شعبية عارمة تحولت إلى مواجهات مع قوات الاحتلال وسط اضراب عام، وقد أسفرت المواجهات عن سقوط ستة شهداء برصاص جنود العدو، ونجاح الشعب الفلسطيني بفعل وحدته وتضحياته وتصميمه وإصراره في إحباط المخطط الاستيطاني التهويدي لمنطقة المثلت المعروفة بالجليل الفلسطيني المحتل، وأثبت بذلك أن الحفاظ على الأرض والحقوق وحماية عروبة فلسطين، إنما يتطلب النضال وتقديم التضحيات وأن العدو لا يمكن أن يرتدع أو يجبر على التراجع عن مخططاته التوسعية في أرض فلسطين، إلاّ إذا واجه مقاومة والتفافاً شعبياً حولها يصعب عليه كسرها.

على أن أحياء هذه المناسبة هذا العام يأتي في ظل تطورات خطيرة تفرض على الشعب الفلسطيني تصعيد نضاله الوطني بالاعتماد على ذاته دون انتظار الدعم من أشقائه العرب، وهذه التطورات تتمثل في الآتي:

التطور الأول:اشتداد الهجمة الاستيطانية على الأرض الفلسطينية والمقدسات في سياق عملية صهيونية متسارعة لفرض الأمر الواقع الهادف إلى تهويد النسبة الأكبر من الأرض تمهيداً لإعلان الدول اليهودية على أرض فلسطين التاريخية، وتحويل الوجود الفلسطيني فيها إلى مجرد أقلية تعيش في مناطق معزولة، ومحاطة بالمستوطنات والطرق التفافية لا تملك سوى أن تتمتع بالحكم الذاتي في إطار السيادة الإسرائيلية، الأمر الذي يجعل الصراع صراعاً بين سكان البلاد الأصليين والدولة اليهودية العنصرية القائمة على التمييز والاضطهاد للعرب الفلسطينيين أصحاب الأرض الحقيقيين.

التطور الثاني: غرق الأمة العربية، دولاً وجماهير، في صراعات داخلية جعلت قضية فلسطين بعيدة عن اهتماماتهم، وغير مدرجة في سلم جدول أعمالهم، وهو ما وفر الفرصة الذهبية للحكومة الإسرائيلية للتمادي في تنفيذ مخططاتها التوسعية في الأرض الفلسطينية والعمل على استكمال تصفية القضية الفلسطينية على القاعدة التي تحقق كامل أهداف المشروع الصهيوني.

التطور الثالث:غياب الإطار الوطني التحرري القادر على تنظيم وقيادة حركة نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال ومخططاته، في وقت تستمر قيادة السلطة الفلسطينية في انتهاج سياسة الحرص على التمسك باتفاق أوسلو المشؤوم ومواصلة لعب الدور الأمني الخادم لأمن المحتل.

من هنا فان ما يجري اليوم من تنفيذ لهذه المخططات والمشاريع على قدم وساق إنما يؤكد سعي الاحتلال إلى تحويل القدس بكاملها إلى مدينة ذات غالبية يهودية وأقلية عربية.

وطبعاً يتم كل ذلك وسط عشرات القوانين العنصرية التي جرى إقرارها في الكنيست الصهيوني ضد العرب الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 48، والتي تحرض على طردهم وتهجيرهم إلى الدول العربية.

غير أنه على الرغم من كل هذه المخاطر وهذا الواقع السيئ إلاّ أن الشعب الفلسطيني رفض الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع الصهيوني، وقرر الانتفاض مجدداً وإشعال انتفاضة ثالثة وما زالت مستمرة منذ أكثر من ستة أشهر، انتفاضة يستخدم فيها الشباب الفلسطيني سلاح السكاكين والدهس بالسيارات في تنفيذ عملياتهم ضد جنود العدو والمستوطنين، الأمر الذي أدى إلى توجيه ضربة قوية لمنظومة الآمن الصهيونية وإدخال الكيان الإسرائيلي في حرب استنزاف جعلت قادته وأجهزته الأمنية والعسكرية في حيرة من أمرهم نتيجة عجزهم وفشلهم في وقف العمليات أو معرفة الجهات التي تقف وراءها، وهو ما زاد من إرباك الكيان أمنياً وعسكرياً، وعلى الرغم من أن هذه الانتفاضة جرى وصفها بالهبة وتوقع كثيرون نهاية لها إلاّ أنها فاجأت الجميع باستمرارها وتصاعد عملياتها، مما أثأر الأسئلة بشان ما إذا كانت فعلا هناك قيادة سرية لها من خارج الأطر التنظيمية القائمة والمعروفة.

وبغض النظر عما إذا كان هناك قيادة جديدة تقف وراء إشعال الانتفاضة الثالثة، أم لا، فالأمر الواضح والحاسم هو أن الشعب الفلسطيني قرر أخد زمام الأمور بيده وعدم الاستكانة واليأس نتيجة تردي الواقع العربي، فالتهديد الإسرائيلي اليومي بمصادرة الأراضي لاستيطانها وتهويدها والقمع والإرهاب المصاحب لذلك، لا يترك مجالاًً أمام الشعب الفلسطيني سوى تصعيد كفاحه ونضاله للحفاظ على أرضه ومقدساته وهويتها العربية، فهذا هو جوهر الصراع وسيبقى إلى أن تعود فلسطين حرة عربية.



بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي