كتاب وأراء

واشنطن والشرق الأوسط .. إستراتيجية يلفها الضباب


بعد شهرين من توليها الحكم، بدأت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في طرح بعض من جوانب رؤيتها في تعاملها مع الملفات الشائكة في الشرق الأوسط ومنها الوضع المتأزم في كل من العراق وسوريا وعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ورغم ما يشير إليه ذلك من إيجابية في الموقف الأميركي، إلا أن الضبابية لا تزال تلازم هذا الموقف لأن الإدارة الجديدة لم تكشف بعد عن استراتيجية شاملة تقود سياستها الخارجية تجاه المنطقة، وهو ما يضع الموقف العربي في مأزق.
فبعد نحو شهرين، اجتمع في واشنطن وزراء خارجية 68 دولة هم أعضاء التحالف الدولي الذي تم تشكيله في أواخر حكم أوباما لمواجه «داعش».
وفي المؤتمر تحدث وزير الخارجية الأميركي ركس تيليرسون بلغة صارمة تعكس جدية في التزام الإدارة الجديدة للقضاء على التنظيم، معتبرا محاربته على الأرض والقضاء على أيديولوجيته الأولوية الأولى للولايات المتحدة. ولكن الجديد هو ما جاء على لسان الوزير الأميركي تحت عنوان «مناطق مستقرة مؤقتاً». وما رشح من تفسير بشأنها يعنى تحديداً المناطق التي يتم تحريرها من «داعش» ومناطق أخرى لم تتحدد معالمها، يجمع بينها كلها إخضاعها لوقف إطلاق النار بما يسمح لمن هجرها من السكان العودة إليها والعيش فيها بأمان، وتتحدد إدارتها في ممثلين عن الأمم المتحدة والسلطات المحلية والفصائل المعارضة.
وأما ما رشح عن رؤية الإدارة الجديدة بخصوص عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين فإنه يتعلق بحل مؤقت بضمانة عربية– إسرائيلية ورعاية أميركية. وتتضمن هذه الرؤية إقامة دولة فلسطينية مؤقتة على حوالي 60 % من الأراضي المتفق عليها عبر اتفاق أوسلو، وتحصل إسرائيل في المقابل على تبعية ما تمت إقامته من مستوطنات في القدس والضفة أي تفرض سيادتها عليه، وتتم مفاوضات الحل النهائي بعد ذلك، على أن تتعهد الولايات المتحدة بتوفير الدعم الدولي المالي الكبير لإقامة الدولة المؤقتة. ويجرى هذا الحل عبر مؤتمر عربي– إسرائيلي (حوار مباشر) وبعد أن يكون قد حصل على الغطاء الفلسطيني.
الملاحظ على ما رشح من أفكار أميركية جديدة أنها تعكس عودة أميركية لاستعادة زمام المبادرة في تقرير مستقبل المنطقة عبر حلول مؤقتة طويلة المدى. ومن ثم إزاحة الدور الروسي أو إجباره على العمل المشترك مع الإدارة الأميركية الجديدة. فهي مقتنعة بأن الخلاص من «داعش» أولاً هو الطريق إلى حل الأزمة في سوريا لأنه سيغير الخريطة السياسية السورية على الأرض تماما بما يعنى أنه عندما تحين ساعة الانتقال السياسي لن يكون بمقدور النظام الاستمرار على موقفه بالتمسك بالحكم. وعلى العكس من ذلك ترى روسيا أن بقاء الأسد هو الأساس والطريق إلى القضاء على التنظيم.
وأما ما يتعلق بعملية السلام فإن الرسالة الأميركية واحدة أيضا، وهي إقصاء ما مضى من ترتيبات وفلسفة للحل والتركيز فقط على ما هو ممكن بعيدا عن الاعتبارات الأيديولوجية وأن يتم ذلك من خلال الدور الأميركي دون غيره. فلا حديث عن حل دولي موسع بصيغة المؤتمر الدولي للسلام، ولا حديث عن الاختيار بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة، وإنما «دولة فلسطينية مؤقتة»، وهو نفس المشروع الذي كان قد طرحه شارون على السلطة الفلسطينية قبل نحو 25 عاما!، والجديد هو أن يتم ذلك من خلال موافقة عربية قبل كل شيء، أي التطبيع أولاً وقبل إنهاء الاحتلال والاتفاق على قضايا الحل النهائي.
أياً كان رد الفعل العربي، تظل الرؤية الأميركية الجديدة بكل ما تحمله حتى الآن من تجليات جزئية مغلفة بضبابية كثيفة، تشكل تحديات صعبة وأكثر خطورة على الوضع العربي مقارنة بما كان عليه الحال في عهد أوباما. انه العمل بأسلوب الحلول المؤقتة أو القطعة قطعة. والرسالة واضحة: إذا أردتم أن تجرعوا الحليب الأميركي فعليكم أن تذوقوا أولا مرارة الواقع»!
بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد