كتاب وأراء

العرب والداخل الأميركي .. كيف نملأ مساحات الفراغ؟

لابد من الاعتراف بأن جانبا مهما من قوة تأثير الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة، على القرار السياسي، والتوجهات العامة للرأي العام، ترجع في بعض أسبابها إلى الفراغ المتمثل على الناحية الأخرى، في عدم وجود أداء عربي مماثل، وإن لم يكن مطلوبا بالضرورة أن يكون بنفس الحجم.
الداخل الأميركي مهم، بخلاف أهمية الإدارة الأميركية، والكونغرس، ففي الداخل قوى متعددة لديها وسائل تأثير تؤتى ثمارها في كثير من الأحيان، في تحديد أو تعديل مسار التوجه الأساسي للسياسة الخارجية للدولة. ومثلما عبر مساعد وزير خارجية أميركي سابق – في حوار لى معه – بعبارة نحن دولة الضغوط، فإن مصادر الضغط ليست مركزة في العاصمة واشنطن وحدها، لكنها موزعة على مختلف الولايات وتشمل مراكز البحوث THINK TANKS، وقوى الضغط LOBBIES، والإعلام، ثم الرأي العام.
وإذا نظرنا إلى أساليب أداء الطرف الإسرائيلي سنجد أنه يعطى للداخل الأميركي قدرا كبير من تركيزه، وبرامج عمله هناك، فإلى جانب التواجد المؤثر والمتغلغل في شرايين الدولة الأميركية، فإن ذلك لم يمنع إسرائيل من إدارة حركة علاقات عامة، تشمل زيارات لوفود من شخصيات إسرائيلية، تسافر من وقت لآخر إلى أميركا، وتتردد على دور الصحف، وتجرى مناقشات مع أطقم تحريرها، وتطرح وجهات نظرها المدروسة، والمجهزة من قبل مغادرتها إسرائيل، مما يضع أمام إدارات تحرير الصحف، مواد تحريرية تستخدمها في تغطية أحداث الشرق الأوسط، وتحليلها، كأنها حقائق مسلم بها، مادام لم يصلها من الطرف العربي، أي شيء من هذا.
بالإضافة إلى ذلك هناك ترتيبات لمسؤولين إسرائيليين، للحضور والمشاركة في ندوات في مركز البحوث، تعرض فيها وجهات نظرهم بالشكل الذي يريدون إقناع الأميركيين به. فضلا عن الدور الذي تقوم به مراكز إعلامية يهودية أميركية متخصصة، في مراقبة أي توقع لحدوث مناقشة أو تصويت في الكونغرس، على قرار تكون إسرائيل طرفا فيه، فتبعث هذه المراكز إلى أعضاء الكونغرس، على بريدهم الإلكتروني، بورقتين مختصرتين، بهما معلومات سابقة التجهيز، يستخدمها عضو الكونغرس عند التصويت على القرار الخاص بها، مع ملاحظة أن كثير من أعضاء الكونغرس القادمين من ولايات بعيدة، قد لا يكون لديهم إلمام كاف بقضايا السياسة الخارجية.
وإذا كان الجانب العربي تنقصه خطة متكاملة ومنتظمة، لإيفاد شخصيات على خبرة عالية، للمشاركة في ندوات مراكز البحوث، أو زيارات المسؤولين في دور الصحف، فإن هناك مواقع عديدة لمؤسسات متعاطفة مع القضايا العربية، كان ينبغي أن يقيم معها الجانب العربي جسور اتصال مستمرة ومنظمة.
هناك منظمات يهودية ليست مؤيدة للفكر الصهيوني، ليس من باب معاداة إسرائيل، وإنما لأجل مصالح مواطني إسرائيل أنفسهم، واقتناعها بأن سياسات الحكومات الإسرائيلية المعادية للحقوق الفلسطينية، سوف تجلب الكوارث في النهاية على الإسرائيليين. وهذه المنظمات تؤيد حل الدولتين، وتعارض المستوطنات، منها منظمة إسرائيل بوليسى فورمISRAEL POLICY FORUM، وأميركيون ن أجل السلام الآن، بالإضافة إلى منظمة J STRT.
ويوجد أيضا المجلس القومي للكنائس الذي يضم عشرين كنيسة أميركية، ويصدر من وقت لآخر بيانات تندد بالاستيطان وإنكار حقوق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة.
وإلى جانب هؤلاء، هناك سفراء سابقون لأميركا عملوا في دول عربية، ولهم مواقف معروفة ومعلنة ترفض التحيز من الإدارات الأميركية لإسرائيل، وهم متعاطفون مع عدالة القضايا العربية.
هذه المواقع – على سبيل المثال – كان ينبغي أن تكون هناك خطة واعية وعملية، للتعامل معها، عن طريق اتصالات منظمة، تشمل تبادل زيارات، وتزويدها بشكل مستمر بالمعلومات التي تعينها على تفهم أفضل بالتطورات الجارية في المنطقة. ولا تترك لديها أي انطباع بأن أصحاب المصلحة الذين تدافع عنهم، لا يشعرون بها، أو كأنها تصرخ في فراغ يتردد فيه صدى صوتها وكفي.
إن الداخل الأميركي شاسع، ومكوناته شديدة التعقيد، وهو مختلف عن أي ميادين سياسية في أي دولة أخرى في العالم. فله قواعد عمله، ومفاهيمه، ثم أن التعامل معه يجب أن يكون وفق دراسة كاملة لواقعه، وللغة التخاطب معه، وبناء عليها، توضع خطط التحرك والتصرف، ثم ملء مساحات الفراغ العربي داخل الساحة الأميركية، والذي يشغله غيرنا كاملا، لأن لديهم برامج، وخطط عمل دائمة، ومستمرة، ومنظمة.

بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري