كتاب وأراء

النظام الرئاسي واتجاهات المستقبل التركي

أنهت الدولة التركية الحديثة مسارات استقرار مهمة، تجمع بين تقدم وطني للنهضة والديمقراطية، وبين فرصة إعادة توازنات المنطقة إقليميا، في الفترة الأولى لتجربة العدالة التي ممكن أن تؤرخ، إلى تاريخ انقلاب 15 يوليو الفاشل، وبدأت بعدها مرحلة جديدة، تدخل أهم منعطفاتها في التصويت على الدستور والنظام الرئاسي، في ظل خلافات داخلية وانفجار إقليمي.
ومن خلال أهمية تركيا للمشرق العربي، وقضية استقرارها وتقدمها، الذي يرجوها كل محبيها من العرب، فإن من المهم مراجعة دلائل مستقبلها السياسي بعد هذا التصويت، بموضوعية تساعد القارئ العربي لفهم استراتيجي، لا عاطفي.
وهناك ثلاثة احتمالات من المرجح أن تشغل غرفة التخطيط في حزب العدالة التركي، حين تخرج نتائج التصويت على الدستور والنظام الرئاسي الجديد، وهي في الحقيقة ستُحدد محور الوضع التركي السياسي والاجتماعي في الداخل، وبالتالي موقع تركيا ودورها المستقبلي، على الصعيد الإقليمي والدولي وقضايا المشرق العربي، وخاصة في سوريا والعراق.
وقبل الاستطراد نقول، إن هناك ما يشبه التصور عند البعض بأن النموذج الجديد، قد يتحول إلى انموذج سلطاني دستوري، وهو اتهام تردده المعارضة ويرفضه حزب العدالة والرئيس رسميا، لكن أيضا هذا المفهوم تردده شرائح شعبية عربية إسلامية وتركية، من مؤيدي الرئيس أردوغان.
وتصوّر هذا الأمر الغير مطروح دستورياً، صعب للغاية، في ظل ما تعيشه المنطقة، وانحسار فرص تقاطعات تركيا، مع تزايد فرص انفصاليين أكراد في سوريا، ودور إيران المفضل لدى الغرب وروسيا، فولوج تركيا في السعي لمثل هذه العهدة، له مخاطر داخلية ودولية، حتّى لو برر له من خلال القوة الشخصية للرئيس أردوغان وكارزميته.
فهي ستواجه حالة توتر صعبة، تحتاج إلى مستوى من الوحدة الوطنية، التي ليست كما كانت من بعد فشل انقلاب تموز يوليو، فالتوتر بين العدالة والمعارضات المتعددة متزايد، والقلق الشعبي من التأثير الإقليمي والتوتر مع أوروبا وخشية تأثيره على الاقتصاد، قد يُوجد بنية استفزاز شعبي، تعيد فرص الانقلاب، كما أن العلمانية الاجتماعية المؤمنة بانتماء الأمة التركية للإسلام، لكن لها تصورها وسلوكها الخاص في الحياة، هي شريحة واسعة داخل وخارج حزب العدالة.
أما التصويت المطروح فعليا، فهو في صلاحيات مركزية للرئاسة الدستورية، تضمن عدم فقدان التوازن السياسي، لو عادت نسب التصويت للتفرق بين الأحزاب في البرلمان، ودخلت البلد في عهدة فوضى جديدة، دون رئيس له صلاحيات.
والمسألة الأخرى تعزيز سلطة الرئيس دستوريا على الجيش، وان تم تعديل ذلك بعد الانقلاب لكن الصفة الدستورية ستعززه، أي أنها حالة حكم مركزي تتجاوز النموذج الأميركي، بقرار تصويت ديمقراطي، لا سلطان يُنصّب على الجمهورية، مع خلاف عميق على تأثيراته العملية على الديمقراطية والحريات السياسية، بين العدالة والمعارضة.
هذا هو الإطار المطروح في شقيه المركزيين، للمجتمع الوطني التركي، للحفاظ على الديمقراطية، وعلى فرص الاستقرار الاقتصادي، لكن هذا التصويت الذي سيتحول لصالح حزب العدالة، سيحتاج إلى إجراءات طمأنينة فورية، بحكم القلق في الشارع التركي، في حالة التصويت بنعم، من أي تصعيد غربي دولي، واحتواء المعارضة، بما فيها الحراك السياسي للكرد الأتراك، وأهمية عودة التواصل مع أوروبا براغماتيا، لأنه ليس من المستبعد، أن تدخل العملية السياسية حالة احتقان، بعد التصويت الإيجابي.
اما في حالة رفض الدستور وهو غير راجح، لكن لا يمكن استبعاده كليّاً، فإن حزب العدالة سيحتاج إلى درجات قصوى من التهدئة والاحتواء، والقوة والوحدة الحزبية، لإعادة إنتاج نفسه، ومراجعة رسائل التصويت، لتهيئة فترته لاستقرار يستعيد الحكم البرلماني، ويقنع الشعب بقدرته، وربما يُطرح في حينه تسمية شخصية ذات قوة ذاتية لرئاسة الحكومة، كنعمان كورتلموش لهذه المرحلة الحسّاسة.
وخاصة إن احتاج الوضع اجراء انتخابات مبكرة في أي من حالات التصويت، وهو امرٌ وارد، وفي حال صوت الشعب بلاء، فإن ضبط التوازن الداخلي للعدالة مهم جدا، في بقاء الرئيس بسلطته على الجيش، وصلاحياته الدستورية القائمة في الدستور الحالي، مع ترك إدارة العمل الحكومي كاملاً، في سلطة رئيس الحكومة لما بعد هذه المرحلة.
وغالبا مثل هذا التوازن سيشجع الناخب التركي، على بقاء العدالة حتى لو استبعد النظام الرئاسي، والتصويت لهم مستقبلاً، إذا تزامن مع إصلاحات مركزية، وفي كل الأحوال وأياً كان التصويت، فإن المرحلة القادمة ما بعد 16 ابريل، ستكون مهمة حرجة لتجربة حزب العدالة، ومستقبل مشروع تركيا الجديدة، نأمل أن تعبره بكل نجاح.
بقلم : مهنا الحبيل

مهنا الحبيل