كتاب وأراء

المبادرة الفرنسية بين التطرف الإسرائيلي والمطلوب فلسطينياً

في خضم ازدياد عمليات الانتفاضة الفلسطينية الثالثة كما ونوعا، واتساع دائرة المشاركة الشعبية في المواجهات وتشييع الشهداء والتضامن مع الأسرى وكذلك وسط استمرار الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتانياهو في سياساتها القمعية والمتطرفة، التي تقفل كل الأبواب أمام أي ليونة، وتستمر في ممارسة الضغط على السلطة الفلسطينية للقيام بالمزيد من الخطوات الأمنية والسياسية لاحتواء الانتفاضة حماية لأمن «إسرائيل»، في خضم كل ذلك أعيد إلى الواجهة طرح المبادرة الفرنسية لإيجاد حل للقضية الفلسطينية ونشطت الدبلوماسية الفرنسية مجدداً للترويج لهذه المبادرة وإقناع الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية بقبول جدول زمني لعقد مؤتمر دولي.

مع تسجيل تراجع باريس عن تهديدها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية إذا فشلت جهود انعقاد المؤتمر الذي تطمح الدبلوماسية الفرنسية بأن يسبقه اجتماع للمجموعة الدولية المعنية بعملية السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في باريس.

من حيث المبدأ فإن المبادرة الفرنسية لا تلبي الحد الأدنى من مطالب الشعب الفلسطيني بالاعتراف بحقوقه واستعادتها، بقدر ما أنها تأتي في سياق رؤية أوروبية- أميركية بأن هذا هو الوقت النموذجي الذي يتيح للغرب وإسرائيل تحقيق تسوية بشروطهما، وبالتالي إقفال ملف القضية الفلسطينية على قاعدة تحقق لإسرائيل هدفها في تكريس وجودها نهائياً على أرض فلسطين مقابل الموافقة على إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع تعديلات تلبي الاطماع الإسرائيلية بالاعتراف بالوجود الاستيطاني في القدس، وبعض المناطق الحيوية والاستراتيجية في الضفة الغربية، والتي أقيمت عليها المستوطنات الكبرى.

ويسعى الغرب إلى إقناع حكومة نتانياهو لقبول مثل هذه الصفقة لأنها ستشكل إنجازاً كبيراً لإسرائيل وتفتح أمامها الباب واسعاً لنيل الاعتراف العربي والفلسطيني وتوفير الغطاء لإنهاء الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية التي أدخلت إسرائيل في مأزق كبير وأدت إلى ضرب منظومة الأمن الإسرائيلي وكشفت عجز إسرائيل وأجهزتها وعدم قدرتها على إخماد أو احتواء عمليات الشبان الفلسطينيين، أما رفض هذه الفرصة للحل الذي يحقق أحلام وأطماع «إسرائيل» فإنه سيقود إلى واقع جديد يصب على المدى البعيد في غير مصلحة إسرائيل، لأنه سيؤدي عملياً إلى الآتي:

النتيجة الأولى: مواصلة سياسية التهويد وإسقاط حل الدولتين، وتحويل إسرائيل إلى دولة عنصرية يحرم فيها الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية ويعامل المواطن الفلسطيني في أرضه معاملة مواطن من الدرجة الثانية، فيما تتحول مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية إلى ما يشبه الغيتوات المحاصرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية على غرار نظام الأبارتيد العنصري الذي كان قائماً في السابق في جنوب إفريقيا.

النتيجة الثانية: أن مثل هذا المآل سوف يؤدي عملياً إلى وضع الشعب الفلسطيني أمام خيار وحيد وهو مواصلة الانتفاضة والمقاومة، وبالتالي إنهاء السلطة الفلسطينية، وإضعاف كل صوت مهادن في الساحة الفلسطينية، وعودة إنتاج منظمة تحرير فلسطينية جديدة بقيادة جديدة أكثر جذرية وتحرراً لتصعيد المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

استطلاعات الرأي الأخيرة التي نشرتها الصحف الإسرائيلية كشفت عن أن الأحزاب اليمينية التي تتشكل منها الحكومة الحالية لا تزال تحظى بتأييد غالبية الإسرائيليين، فيما أحزاب «المعسكر الصهيوني» برئاسة إسحق هرتسوغ تسجل المزيد من التراجع، حيث نال 18 نائباً مقابل 24 نائبا حالياً، وهذا يعني أن المجتمع الصهيوني يجنح نحو مزيد من التشدد والتطرف والعنصرية، وبالتالي تأييد الأحزاب التي تنهج هذا المسار الرافض للسير في أية حلول وخنق أي صوت يطالب بحل الدولتين.

وفي هذا السياق يمكن إدراج الاقتراح الإسرائيلي المقدم للسلطة الفلسطينية، وكشفت عنه صحيفة هآرتس الإسرائيلية، ويقوم على أساس العودة إلى مبادئ اتفاق أوسلو بشأن السيطرة الأمنية في مدن الضفة الغربية ابتداءً من رام الله وأريحا، وذلك بهدف واضح، وهو الالتفاف على المبادرة الفرنسية لعقد مؤتمر دولي.

إن مثل هذا المآل المتوقع لمسار الصراع مع الاحتلال الصهيوني، إنما يؤكد حقيقة مهمة، وهي أن المحتل لا يمكن أن يتراجع ويسلم بحقوق الشعب المحتلة أرضه والمسلوبة حقوقه إلاّ إذا واجه مقاومة شعبية ومسلحة أجبرته على الرضوخ والتسليم بهذه الحقوق.



بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي