كتاب وأراء

الانتخابات الأميركية.. وتبدد رهانات نتانياهو

على الرغم من أن الانتخابات الرئاسية الأميركية لا تزال في المرحلة التمهيدية لتحديد المرشحين الديمقراطي والجمهوري اللذين سيتأهلان لخوض معركة السباق الرئاسي إلى البيت الأبيض، إلا أنها استحوذت على اهتمام دول العالم، وخصوصا «إسرائيل»، وعلى وجه التحديد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي ذهب بعيداً في رهاناته على فوز المرشح الجمهوري باعتبار الحزب الجمهوري الأكثر قربا وتأييداً لسياساته العدوانية والمتطرفة الساعية إلى فرض الحل الإسرائيلي على الفلسطينيين والقاضي بشطب حق العودة وتهويد كامل القدس ومقدساتها وتحويلها إلى عاصمة موحدة للدولة اليهودية العنصرية، وتكريس الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية، واستطرادا رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة والموافقة فقط على إعطاء الفلسطينيين حكما ذاتيا لإدارة شؤونهم، لكن من ضمن السيادة الإسرائيلية.

ولأن رهان نتانياهو على فوز المرشح الجمهوري بات رهاناً مائة بالمائة، فإنه لجأ إلى إلغاء زيارته المقررة إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي الديمقراطي باراك أوباما، وهذا يعني أن نتانياهو قرر مجددا إعلان انحيازه في الانتخابات إلى جانب المرشح الجمهوري كما فعل في الانتخابات الماضية التي جاءت نتيجتها مخيبة له لأنها أدت إلى فوز أوباما، مما شكل صفعة قوية له بعدما بلغ به الأمر حد التدخل في الشأن الداخلي الأميركي والتصادم علناً مع أوباما وحزبه الديمقراطي في سابقة تحصل لأول مرة في العلاقات الأميركية- الإسرائيلية، والتي أكملها نتانياهو بإلقاء خطاب في الكونغرس لإقناعه، دون جدوى، برفض المصادقة على الاتفاق النووي مع إيران.

لكن المفاجأة التي صدمت نتانياهو، تمثلت في إقدام المرشح الجمهوري دونالد ترامب، الأكثر حظاً بالترشح لخوض المعركة الانتخابية النهائية في مواجهة المرشح الديمقراطي، إقدامه على إعلان تأجيل زيارته إلى «إسرائيل» التي كان من المقرر أن يلتقي خلالها رئيس الحكومة الإسرائيلية نهاية الشهر الجاري، وجاء إلغاء الزيارة في أعقاب الانتقادات التي تلقاها على إثر التصريحات العنصرية التي أدلى بها.

والمفاجئ بالنسبة لنتانياهو وعموم الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة أن مواقف ترامب جاءت على يسار مواقف المرشح الديمقراطي هيلاري كلينتون التي لا يرغب رئيس الحكومة الإسرائيلية في فوزها.

فقد أعلن ترامب:

ــ رفضه الاعتراف بوحدة مدينة القدس.

ــ وأكد أنه سيبقى حياديا في الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين حتى يتمكن من القيام بدور الوسيط للتوصل إلى اتفاق بين الجانبين وهو تحد بإمكان «فنان كبير مثله فقط التغلب عليه» حسب قوله.

ــ تحميل «إسرائيل» مسؤولية الفشل في تحقيق الاتفاق مع الفلسطينيين.

وهذه المواقف تجعل من احتمال فوز ترامب مصدر قلق كبير بالنسبة لنتانياهو الذي يبدو أنه سيترحم على فترة رئاسة أوباما في حال فاز ترامب الذي سيغير عندها وجه سياسة الجمهوريين ويبعد صقورهم والمحافظين الجدد عن واجهة الحزب الجمهوري، لا سيما وأنه انتقد بشدة سياسات الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش وحرب العراق.

لهذا كله تسيطر على الحكومة اليمينية، التي توصف بأنها الأكثر تشددا في تاريخ الكيان الإسرائيلي، حالة من الخوف من صعود ترامب المتحرر من أموال اللوبي الإسرائيلي (إيباك) وبالتالي سقوط رهانات نتانياهو.

إن هذه المواقف التي يعلنها ترامب ويكسب على أساسها التأييد، والقلق والخوف الإسرائيليين من فوزه، تؤكد التالي:

أولاً: أن الولايات المتحدة الأميركية أحزابا وجمهورا لم تعد تستسيغ خطاب الحرب، وأن الخطاب الأكثر شعبية إنما هو الخطاب الذي يتعهد فيه المرشح للانتخابات بعدم الإقدام على شن حروب في المستقبل، والتركيز على الاهتمام بشؤون الأميركيين الاقتصادية والاجتماعية والصحية، خصوصا بعدما ولدت الحرب في العراق وأفغانستان نتائج سلبية كبيرة على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي نتيجة كلفتها الباهظة مادياً وبشرياً.

ثانياً: أن هناك اتجاهاً في أميركا بات يحظى بتأييد كبير ويؤيد ضرورة العمل على إيجاد تسوية للصراع العربي الإسرائيلي، وأن هذا الحل لا يمكن أن يتم على أساس الشروط التي تطرحها «إسرائيل»، وأن مصلحة «إسرائيل» تقتضي أن تخفف من تشددها وتقبل بحل الدولتين لأن الإصرار على رفض ذلك ومواصلة الاستيطان سيقود إلى سد أبواب التسوية ونشوء دولة ثنائية القومية الأمر الذي لا يخدم «إسرائيل» وهو ما حاولت إدارة أوباما إقناع حكومة نتانياهو به من دون نتيجة، مما أدى إلى التوتر في العلاقات بينهما إلى جانب طبعا الخلاف حول توقيع الاتفاق النووي الذي عارضه نتانياهو وحاول تعطيله لكنه فشل وأصيب بالخذلان.

ثالثاً: أن «إسرائيل» باتت تواجه مأزقا فعليا في علاقتها مع سيدتها وداعمتها الأولى الولايات المتحدة، وأن هذا المأزق آخذ بالتفاقم في كلا الاحتمالين: احتمال فوز ترامب أو احتمال فوز كلينتون.



بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي