كتاب وأراء

الأصيل والوضيع

ما من عظيم إلا ويشعر أنه عادي وتافه أحيانا.. وما من عبقري إلا ويعلم بأنه أحمق وعيوبه أكثر من إنجازاته.. وحدهم التافهون..الأغبياء الذين يعتقدون أنهم سادة البشر.. أنهم مميزون.. وعباقرة! قبل وفاة شارلي شابلن بعدة أشهر في صيف عام 1977 تحدث وللمرة الأخيرة في حياته مع أحد الصحفيين بتكليف من إحدى الصحف الألمانية، أخبره الصحفي في بداية اللقاء بأنه الفنان الأكثر شعبية في العالم كله، فصرخ شابلن باستغراب: «أنا...أنا...هل تعنيني أنا.. هل تقصد هذا فعلا؟ لم أكن أحدا.. الصعلوك كان كل شيء.. كل من يراني في الشارع، كل من هلل لي حتى وقت قريب، لم يكن يرى فيّ سوى الصعلوك».
وغاب عنه أن هذه الشخصية التي أحبها الناس هو من ابتكرها، ومحاولة الفصل بينه وبينها لا معنى لها.. فالاثنان واحد. وعندما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل زاره الكاتب البرازيلي باولو كوليهو وكان وقتها من أشهر الكتاب خاصة بعد ظهور رواية الخيميائي التي ترجمت إلى ثمانين لغة ووصلت مبيعاتها إلى 150 مليون نسخة وقبل يده وقال له بالحرف الواحد:«من لم يقرأ لمحفوظ لم يتعلم القراءة بعد» وهذا التواضع لم يأت من فراغ لقد تعلم درسا من كاتب آخر كان يفوقه شهرة وذلك أثناء ظهور كتابه الأول «أرشيف الجحيم» الذي طبعه على حسابه الخاص وواجه صعوبة في توزيعه والدعاية له. وتولى هو وزوجته المرور على المكتبات يوميا في محاولة إقناعهم بعرضه. كما تم الاتفاق على تقسيم المناطق بينهما. بحيث تقوم «كريستينا» زوجته بتوزيع الكتاب في ناحية وزوجها في ناحية أخرى. وذات يوم صادفت الكاتب الأول في البرازيل «جورج امادو» ولم تتردد بالذهاب إليه والتعريف عن نفسها بأنها زوجة لكاتب ناشئ.
ومع أن الأدباء الكبار معتادون على هذه المواقف فإن امادو عاملها بلطف كما يقول باولو ودعاها لشرب القهوة.
وطلب منها عدة نسخ من الكتاب.. وتمنى لي التوفيق دون أن يعرفني. وكان تعليقي على هذا الحدث أنه محض جنون.. ولم تبعد زوجتي عن الحقيقة ولم يجانبها الصواب حين قالت إنه كاتب كبير ولم يصل إلى ما وصل إليه لو لم يكن يملك قلبا كبيرا.. وحين أحتل كتابي الخيميائي بعد عدة سنوات قائمة أفضل المبيعات في فرنسا.تلقيت عبر البريد قصاصة تحوي القائمة، مرفقة برسالة مؤثرة من الكاتب البرازيلي الأشهر جورج امادو.. يمتدحني فيها ويشيد بي... وسمعت فيما بعد أن الصحفيين البرازيليين والأجانب أيضا حاولوا إشعال فتيل الغيرة والحسد في قلبه، لكن امادو لم ينسق لهذا التحريض والمحاولات الرخيصة وتصدى للدفاع عني بحرارة.
وعندما حصلت على أول جائزة أدبية لم أستطع الذهاب لاستلامها إذ كنت مرتبطا بعدة محاضرات في أميركا.. فما كان من ناشرتي إلا أن اتصلت بجورج امادو دون علمي وطلبت منه تسلم الجائزة نيابة عني. ووافق الكاتب النبيل. ولم يكتف بالموافقة بل دعا سفيرنا للحضور معه وألقى خطابا جميلا.. الغريب أنني لم ألتق وجهاً لوجه مع أعظم كاتب من بلدي إلا بعد سنة من تسلم الجائزة. ولكني تعلمت أن أعجب بروحه مثلما أعجبت بكتبه.. كاتب شهير لا يحتقر المبتدئين. برازيلي يفرح لنجاح مواطنيه. إنسان مستعد دائما لتقديم المساعدة عندما تطلب منه. وهذا هو تواضع الكبار الأصيل...الذي يختلف عن تظاهر الصغار بالتواضع.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري