كتاب وأراء

قمة «على ضفاف»... البحر الميت!

قمة تشبه العرب؟ يمكن القول إن القمة العربية الأخيرة انعقدت وكأنها لم تنعقد. بمعنى أنها أبقت عمليا الأمور على ما هي. لم تجترح قرارات هامة وحاسمة تجاه الحروب والأزمات التي تتخبط فيها بعض الدول الأعضاء، ولم تفجر في الوقت عينه الخلافات التي يؤججها استعصاء إيجاد حل للجرح السوري النازف، والذي تحول إلى جرح عربي بامتياز. خلافات يغذيها ويفاقمها التدخل الإيراني، وتمدده في اكثر من دولة عربية، من سوريا إلى العراق إلى اليمن... حتى لبنان.
وبهذا المعنى، فقد حافظت القمة على الـ«ستاتوكو» القائم، وربما يعتبر هذا بحد ذاته إنجازا. فقد أعادت التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، وعلى ما أصبح يعتبر من الثوابت بدءا بالتمسك بـ«مبادرة السلام العربية» التي أقرت في القمة العربية في بيروت عام 2002، ثم التشديد على ضرورة إعادة إطلاق مفاوضات سلام جدية بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس حل الدولتين الذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وطالبت إيران من دون أن تسميها بالكف عن «الأعمال الاستفزازية» و«التصريحات العدائية» التي تمثل تدخلا في شؤون الدول العربية.
ووراء «يافطة فلسطين» حيكت التسوية الأهم والأدق بعدم ذكر النظام السوري وتحميله مسؤولية دمار سوريا وقتل الشعب السوري، ولا حتى إعلان موقف داعم للمعارضة السورية. وهي تسوية أدت إلى قطع الطريق على من كان يريد إعادة الاعتبار للنظام وحضور الأسد القمة، من مصر إلى العراق إلى لبنان والجزائر. وحدها قطر وجهت إصبع الاتهام إلى النظام. فيما دأبت كل القمم السابقة منذ عام 2012 على إدانة النظام وجرائمه. ناهيك عن أن قمة الكويت عام 2013 قد خصصت مقعد سوريا لوفد «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة». فيما إسرائيل تعمل بدأب، مباشرة مع الأسد أو عبر روسيا، على وضع ترتيبات في الجولان وعلى حدود سوريا الجنوبية، لضمان أمنها وإعطاء جرعة لبشار تجعله «يأمل في المستقبل»!
أما بالنسبة إلى لبنان، فإن القمّة حملت أكثر من مفارقة أولها في الاستجابة للموقف الرسمي اللبناني. وقد استطاع الرئيس اللبناني ميشال عون امتصاص النقمة التي أثارها بتصريحاته حول الحاجة إلى سلاح «حزب الله» عبر طرح نفسه كحريص على وحدة الموقف العربي وكوسيط لجمع كلمة العرب. فانتزع منهم تأكيد حق اللبنانيين في المقاومة، وعدم اعتبار العمل المقاوم عملاً إرهابياً. أما في سوريا فماذا هو؟ وهذا ما يعتبره البعض فصلاً بين سياسة «حزب الله» في لبنان ودوره في الخارج. علما أن لبنان قد «نأى بنفسه» السنة الماضية في قمة نواكشوط عن البيان الختامي، الذي كان حازما تجاه إيران و«حزب الله» الذي جرى تصنيفه إرهابياً، وتحفظت يومها الدول الخليجية على بند التضامن مع لبنان.
فوارق أخرى لافتة غابت عن مواقف وبيانات هذه القمة، مثل دعم عمليات «التحالف الإسلامي» بقيادة السعودية في اليمن ضد الحوثيين، والبيان الختامي لـ«إعلان بغداد» في 2012 الذي لحظ إشادة بثورات «الربيع العربي»، واعتبرها بمثابة توق الشعوب العربية إلى الديمقراطية.
المفارقة الأهم هي اللهجة العربية الملطفة تجاه إيران و«حزب الله»، ذراعها العسكري في لبنان وفي سوريا والجوار، وتجنب إعلان موقف من الأزمة السورية. أهم الأسباب وأبرز التطورات هو الموقف غير الواضح للإدارة الأميركية الجديدة، التي دغدغ رئيسها دونالد ترامب أحلام العرب بإعلان عزمه تحجيم إيران إلى جانب الحرب على الإرهاب. ولكنه في الوقت نفسه لا يعتبر أن هدفه إسقاط الأسد، رغم إرساله أكثر من ألفي جندي لغاية اليوم إلى شمال سوريا. كما أن هم الملك الأردني عبدالله، إنجاح القمة التي تعقد في بلده، فعمل على تخفيف من حدة الخلافات و«تدوير الزوايا» بدعم من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي كان يسعى لتعويم النظام السوري، والذي طار للاجتماع بسيد البيت الأبيض. هل إنها صدفة؟

بقلم : سعد كيوان

سعد كيوان