كتاب وأراء

المثقفون وطوابير الطرشان

كل ما أنجزه في حياته ثلاثة زواجات انتهت كل منها بفشل ذريع، رغم أن كلا منها كانت قصة حب توهمه سيبقى ليعيش في كنفه سعيدا، ولكن كل رواية من ثلاثتها لقيت مصير إبريق من الخزف تهاوى من ارتفاع على ارض من صخر مدبب.
كل زواج من الزواجات الثلاثة أثمر ابنا، فصار له ثلاثة ابناء، لم يرثوا عنه عشقه الصحافة والادب والكتابة للسينما، فقد فلتوا من براثن مهن الفقر، هو يقول لي:
بلغ زهاء السبعين من عمره، دون أن تحفر السنين على وجهه ندوبا أو تجاعيد أو شحوب الكهول، فلم يتغير شكله كثيرا عن آخر مرة رأيته فيها قبل نحو خمسة وثلاثين عاما، وقد روعه أنني تذكرته حينما رأيته جالسا على مقهى هو زبونها المستديم، بينما قصدتها صدفة للراحة مع كوب من الشاي، بعد نزهة شملت شوارع عدة في وسط البلد، فقال لي: اختلف شكلك وأنت كهل عما كنت عليه وأنت شاب، في تلميح إلى ما تركته السنين على ملامح الوجه.
وأتذكره صاحب نظرية «حلمنتيشي» كما الشعر الذي يكتبه، وتقول هذه النظرية: إن الحب والثقافة والقراءة يفلسون الجيب ولكنهم يطيلون العمر، وحينما كنت تسأله عن أسبابه في ما يقول يتلعثم كثيرا في الاجابة، فلا تفهم منها شيئا، فقط هو أسرف في الحب، فتزوج ثلاثا من بين حبيباته، واسرف في القراءة والكتابة، حتى انه يرتدي نظارة اظن أن عدستها الاكثر سمكا بين كل عدسات النظارات.
وحينما سألته عن المهن التي يشتغل بها ابناؤه الثلاثة، لم يخف تطلعه إلى أن يعمل ثلاثتهم في ما لا ولن يعمل به، وهو الاستثمار والتجارة ليكونوا رجال اعمال يشتهرون في مجالاتهم، فصديقي القديم هذا لا يحجب تشاؤماته مما يمر به العالم، ويقول اننا نعيش عالما فيه كل شيء قابل للتسليع، وان البلاد في حاجة لمستثمرين وصناعيين وزراعيين بأكثر مما هي بحاجة إلى مثقفي المقاهي المنظرين، وانه لو عادت الساعة إلى الوراء لاختار أن يكون رجل اعمال يشار اليه بالبنان، ذلك لان مثقفي اليوم صاروا محاصرين بطوابير الطرشان، ولهذا يستغرب هذا الصديق المثقف توجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للاشتغال بالسياسة، رغم نجاحه السابق في عالم الاعمال والعقارات، لافتا إلى الخسارة التي اصابته، حيث انخفضت ثروته إلى 3.5 مليار دولار فقط، أي نحو ثلث ما كان يحوزه قبل أن يكون رئيسا، ولهذا فلا يستبعد هذا الصديق أن يتقدم ترامب باستقالته اذا تقلصت ثروته إلى ما دون ذلك، لان ترامب تاجر عقارات شاطر، لا يستسيغ الخسارة، ومن ثم فقد يقفز مبكرا من القارب، قبل أن يغرق به وبأميركا، ربما أن الزواجات الثلاثة قد افقدت صديقي بعض حماسه القديم للثقافة والمثقفين، ولكنه هكذا يندم اليوم انه قضى حياته غارقا في عالم الكتب، وبين صفحات الصحف.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي