كتاب وأراء

الاستقرار الأخلاقي

في السنين الخاليات كنا نرى الكثير من المحلات في أسواقنا الخليجية خالية من أصحابها ظهرا لكن أبوابها مفتوحة، فذاك وقت راحة أصحابها. كانوا يتركون محلاتهم ويذهبون إلى بيوتهم لتناول طعام الغداء والاستمتاع بالقيلولة ثم يعودون. خلال ذلك الوقت لا يضعون في محلاتهم سوى ساتر من قماش يحمي البضاعة من الشمس والغبار وهو بمثابة إعلان بأن المحل مغلق حاليا. لكن أحدا من الناس، سواء من المواطنين أو المقيمين، الكبار والصغار، لا يفكر بأخذ شيء منها حتى وإن كان محتاجا.
تعزيزا لذلك السلوك الذي كان يعبر عن الاستقرار الأخلاقي للمجتمع كان المعلمون يشجعون التلاميذ في مدارسهم على الشراء من «المحلات» التي كانوا ينصبونها في ساحة المدرسة والتي لا يوجد عليها رقيب. كانوا يتركون البضاعة التي يراد بيعها وبجانبها صندوق صغير وورقة بمثابة إعلان يبين فيها قيمتها. كان التلاميذ يأخذون ما يريدون منها ويضعون ثمنها في الصندوق، لكن أحدا لم يكن يفكر في أن يأخذ منها من دون أن يدفع. بعد الفسحة كان المعلمون يطابقون، فيقارنون بين ما تبقى من البضاعة وما احتواه الصندوق من مال وهم متأكدون أن أحدا من التلاميذ لم يأخذ من دون مقابل ولم يفكر في التحايل على «البائع الغائب».
في السنوات الأخيرة قام البعض بعمل مثل هذه التجربة في مجموعة من الدول تم اختيارها بغية معرفة حالة «الاستقرار الأخلاقي» فيها، والمؤسف أن الدول العربية التي تم اختيارها جاءت في أسفل القائمة بينما حصل على المراكز الأولى في التجربة دول ليس دينها الإسلام وليس لها علاقة بالعروبة وذلك التراث الأخلاقي الهائل.
تجارب أخرى من نفس البحر أجريت في العديد من الدول، منها على سبيل المثال تعمد شخص إيقاع محفظة مليئة بالمال من جيبه في مكان عام بغية ملاحظة سلوك الأفراد في تلك الدول، وجعلوا الكاميرات التي تم نصبها في الموقع شاهدة على السلوك. المؤسف أن كل الذين وقعت المحافظ في أيديهم في تلك الدول سعوا باهتمام إلى التوصل إلى من فقدها قبل أن يقرروا تسليمها إلى مركز الشرطة باستثناء الدول العربية منها، ففي إحداها شوهد الشخص وهو يتلفت يمينا ويسارا قبل أن يطلق رجليه للريح ويحاول الهرب من الموقع.
طبعا اليوم لا يغامر صاحب محل - مهما كانت البضاعة التي يبيعها رخيصة– بترك محله مفتوحا ولو لوقت قصير، والأكيد أنه لو أجرى المعلمون التجارب نفسها على تلاميذ اليوم في تلك البلدان على وجه الخصوص لتبين لهم الفارق في الاستقرار بين أخلاق الأمس وأخلاق اليوم.
هذه المفارقة قد تدفع إلى شيء من الضحك لكنها تعبر عن وجود مشكلة كبيرة ينبغي تخليص مجتمعاتنا منها، فتحول هذه المجتمعات من تلك الحال إلى هذه الحال النقيضة يستدعي الاستنفار وإطلاق صفارة الإنذار، فما يجري اليوم يجرح استقرار الأخلاق في بلاد كانت مثالا للأخلاق ويفترض أن تستمر مثالا لها ونموذجا يقتدى.

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن