كتاب وأراء

لا شيء سوى المتاعب

مهنة الكاتب ليست سواراً من ذهب، بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة كما قالوا، ولم يكن «غابريل جارسيا ماركيز» الكولومبي، يخطط لامتهان هذه المهنة على عكس جميع الكتاب، وما دفعه في البداية هو التحدي، ويشرح ما حدث بقوله: لم يخطر ببالي قط أن أكون كاتبا، ولكن في الزمن الذي كنت فيه طالبا، كتب مدير الملحق الأدبي لجريدة ثقافية شهير افتتاحية يقول فيها إن أجيال الكتاب الجديدة لا تقدم شيئا، وأنه لا يظهر في أي مكان قاص جديد أو روائي جديد، وانتهى إلى التأكيد.. أن اللوم يُوجه إليه لأنه لا ينشر في جريدته إلا أسماء معروفة لمؤلفين مسِنين، ولا شيء للشباب بالمقابل، بينما الحقيقة أنه لا وجود لشباب يكتبون!!...عندئذ هزني شعور التضامن مع الزملاء من جيلي، وقررت كتابة قصة قصيرة، لمجرد إغلاق فم مدير الملحق، الذي كان بمثابة صديق كبير لي أو صار بعد ذلك، المهم جلست وكتبت قصة، وأرسلتها إلى الجريدة، الرعب الثاني أصابني يوم الأحد التالي عندما فتحت الجريدة وكانت قصتي على صفحة كاملة ومعها ملاحظة يعترف فيها المدير بخطئه، إذ أن من الواضح كما قال إنه «بهذه القصة يظهر عبقري الأدب الكولومبي» في ذلك اليوم مرضت وقلت لنفسي متسائلا: «في أي ورطة أدخلت نفسي، وماذا سأفعل الآن كي لا أسئ لمدير الجريدة الذي تنبأ لي بمستقبل لامع؟ وكان الجواب، أن أواصل الكتابة، وهذا يسمح لي أن أخبركم بشيء أؤكده الآن، بعد أن نشرت خمسة كتب، ربما تكون مهنة الكاتب المهنة الوحيدة التي تصبح أكثر صعوبة كلما مورست أكثر، فالسهولة التي جلست بها لأكتب تلك القصة ذات مساء لا يمكن مقارنتها بالجهد الذي أتكلفه الآن في كتابة صفحة واحدة، أما بشأن منهجي في العمل فهو مرتبط إلى حد كبير بهذا الذي سأقوله..لا أعرف أبدا مقدار ما سأتمكن من كتابته ولا ما الذي سأكتبه.. أنتظر حتى يخطر لي شيء، وعندما تخطر لي فكرة أقُدر أنها جيدة وتستحق أن تكتب، أبدأ بتقليبها في رأسي، وأتركها تنضج، وعندما تصبح جاهزة تماما (وفي بعض الأحيان تنقضي سنوات طويلة كما هي الحال في مائة عام من العزلة، إذ أمضيت تسعة عشر عاما وأنا أفكر فيها) أكرر..عندما تصبح جاهزة تماما، أجلس عندئذ لأكتبها، وهنا يبدأ الجزء الأصعب الذي يسبب لي أكبر ضجر، لأن ألذ ما في القصة هو تصورها، والمضي في إغنائها، وتقليبها وإعادة تقليبها، بحيث لا يجد المرء كثيرا من الاهتمام حين يجلس لكتابة الفكرة التي قلبها في ذهنه طويلا، أو أنني على الأقل لا أشعر بالاهتمام، ولم أتوصل حتى في أشد أحلامي هذيانا في الأيام التي كنت أكتب فيها «مائة عام من العزلة» إلى تصور أنه يمكن رؤية طبعة من مليون نسخة، والتفكير في أنه يمكن لمليون شخص أن يقرروا قراءة شيء كتب في عزلة حجرة، وبذخيرة تقتصر على ثمانية وعشرين حرفا أبجديا.. وأصبعين اثنين فحسب.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري