كتاب وأراء

ظاهرة متعددة الأشكال .. مكابرة الأوصياء في حياتنا العربية

لا يرى كثير من اللامعين أنفسهم نجوما فحسب بل المسطرة التي يجب أن يقيس الجميع عليها نفسه. ولا يكتفون بأنهم مشاهير وإنما يرون أنهم أوصياء، كلمتهم لا ترد ومشورتهم لازمة. ومن يدقق سيرى الوصاية وقد انتشرت في كل مكان. على الكلمة وطرق التعبير. على الأخلاق والعدالة. على الدين والسياسة. على الجامع والجامعة. على الشباب والمرأة. على البرلمانات والأحزاب. وصاية على الحيز العام كله اعتادت عليها قوى نافذة تعتقد أنها تفهم أفضل وتخاف على الوطن أكثر وأنها صاحبة الحق الشرعي في تحديد من يجب أن يبقى ومن يجب أن يُستبعد من المجال العام.
ولعقود متوالية تأسس خطاب عربي كامل بل وثقافة كاملة من الوصاية من أكثر الناس على كل الناس. ثقافة تبيح إلغاء حق الآخرين في التفكير والتعبير والتصرف، لتبدأ أقليات مهنية وجماعات دينية وسياسية واقتصادية في احتكار الحقيقة وتصوير نفسها على أنها القيم على تصرفات الناس والأولى بصناعة السياسة واتخاذ القرار. وإذا كان الأب في الأسرة الصغيرة يعطي نفسه أحيانا وصاية على كل من فيها، فإن شيئاً قريباً من هذا يحدث في الأسر العربية الوطنية الكبيرة. في الأسرة الصغيرة قد يصادر الأب حق باقي الأفراد في التصرف ويعتبرهم مجرد ملحقات بيولوجية عليها الخضوع والاتباع. أما في الأسر الوطنية الكبيرة فالمصادرة أوسع ومكابرة الأوصياء تمارس بلا حدود.
بعض أصحاب الحظوة الإعلامية من رجال الدين مثلا يتصرفون كأوصياء على أدق تفاصيل حياة الناس. وقد وصل بعضهم بخطاب الوصاية الديني إلى تفاصيل صغيرة مثل حجر حق النساء في إضافة أصدقاء لهن من الرجال إلى صفحاتهن على الفيسبوك. لكن تلك الوصاية تهون أمام ما تمارسه جماعات دينية معاندة نصبت نفسها حكما على عقول الناس وأرواحهم تقتلهم متى شاءت طالما ترى في نفسها حكماً ليس على أخلاق الناس فقط وإنما على الدين نفسه.
لكن خطاب الوصاية ليس دينيا فقط بل ومدني كذلك. ولا تقل الوصاية المدنية مكابرة أو خطورةً عن الوصاية الدينية. فهي تؤذي الناس بطريقة أخرى عندما تغلق الطريق أمامهم للمشاركة في كل حيز عام. خذ مثلاً البرلمانات العربية التي تتضح فيها عقلية الوصاية السياسية عندما تتمتع قوة سياسية أو قائمة انتخابية بقوامة على كل أعضاء ولجان البرلمان بحجة أنها تدعم الدولة. ومع أن تلك القوى لا تتمتع بتاريخ استثنائي يميزها عن غيرها الا أنها تعطي نفسها صلاحيات وصائية واسعة بزعم أنهم الأخوف على الوطن والأفهم لمعنى الوطنية، وبالتالي لا يجب الاعتراض عليها وإلا لكان ذلك خيانةً للوطن. ولا يقل خطراً عن الأوصياء على التشريع الأوصياء على الثقافة الذين يظن بعضهم أنهم مبعوثو العناية الإلهية ويعتقد البعض الآخر منهم أنهم يحملون حصريا رسالة المدنية والحداثة والتنوير.
لقد باتت الحياة العربية مليئة بالوصاية والأوصياء. في الشارع أوصياء. بين الجيران أوصياء. في الرياضة أوصياء. في الدين أوصياء. ما ان تدقق في مفردات الخطاب السياسي والاجتماعي السائد إلا وتكتشف هيمنة ثقافة الوصاية. ومع ان كل فرد مؤتمن على الموقع الذي يشغله إلا أنه ليس بوصي عليه. فالمؤتمن يدير أمانة ثم يؤديها. أما الوصي فيشعر أنها ملكا له عليه ان يتمسك بها إلى النهاية. ولهذا السبب فإن سيكولوجية الوصاية النافية لحق الناس في أن يكونوا كما يتمنون لأنفسهم ليست إلا جزءًا من سيكولوجية الشخصية السلطوية. فالوصي ما لم يكن معيناً لفترة محددة ولهدف بعينه سرعان ما يرى نفسه فوق النقد فيتصرف بلا مراجعة.
لقد جاءت نظم حكم ورحلت أخرى وبقيت ثقافة الوصاية كما هي. إنها مكون أصيل للشخصية الاجتماعية العربية. ومن الطبيعي أن تفصح عن نفسها في كل شيء بما في ذلك السياسة حيث أصبحت الشخصية السياسية العربية وصائية. وهذه مشكلة ليست بالسهلة لأن الأوصياء وإن زاد خوفهم على الحيز العام إلا أنهم أول من يضر به عندما يغلقونه ويفرضون تصوراتهم عليه ما يدفع الناس إلى الهرب إلى منافذ أخرى بعيدة عن العلنية. ولا يبدو أن مكابرة الأوصياء ستزول في المدى المنظور. فالبادي أننا أمام قناعات وصائية راسخة تجسدها خطابات دينية وسياسية وإعلامية تبث الخوف بين الناس بما يبرر الاستمرار في فرض الوصاية على المال العام والرأي العام والحيز العام لمصلحة قائمة انتخابية أو شلة ثرية أو قلة قوية. وأغلب هؤلاء معاندون ومكابرون يرفضون أصلا فتح الحيز العام أمام الجميع وينكلون بلا هوادة بكل من ينبه إلى خطورة الوصاية عليه. فالحل الوحيد عند أصحاب العقول الوصائية هو المزيد من الوصاية. وهم لا يعدمون في ذلك مبررات لعل أبرزها وجود تهديدات داخلية جسيمة ومؤامرات خارجية لئيمة تفرض التسليم بمبدأ الوصاية. ومع أن المخرج الوحيد يتمثل في إعادة الروح إلى الحيز العام إلا أن مكابرة الأوصياء تحول دون ذلك. وإنهم يظنون أنهم يحمون بالوصاية مستقبل الأوطان في حين أنهم مثل كل من سبقهم من الأوصياء سينتهون على الأرجح وهم يهددونها أكثر.
بقلم: إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات