كتاب وأراء

الجهد الضائع

اذا كنت تعطي حتى يقال عنك كريم أرجوك توقف عن العطاء..اذا كنت تنتظر مقابلا لهذا الكرم أرجوك أحتفظ بمالك.أن لم تكن تؤمن في أعماق أعماقك بجواب البدوي البسيط حين سأله الاصمعي عن صاحب الشاة التي يسحبها خلفه فقال:«هي لله عندي» فأرجوك..أرجوك لا تضع توقيعك على شيك أو تضع يدك في جيبك..
مر الاحنف بن قيس برجل في يده درهم فسأله لمن هذا قال لي،فرد الاحنف:لا ليس لك حتى تخرجه في أجر أو تكسب به شكر..أنت للمال اذا امسكته وإذا أنفقته فالمال لك..
تعرفت الكاتبة الأميركية«اناييس ين» أثناء اقامتها في باريس بشخص بوهيمي معدم اشتهر ولمع أسمه لاحقا«هنري ميللر» وكان بصحبة زوجته، وكان الاثنان يعيشان يوما بيوم،دون ان تكون لديهما موارد من أي نوع،فكانت الكاتبة تساعده بين الحين والحين بما تقدر عليه علنا،وفي يوم قدمت لصديقها هنري مبلغا كبيرا من المال..ربما أكبر مبلغ حصل عليه في حياته..وجاء من يخبرها أنه أنفق المبلغ كله في ليلة واحدة على الشراب والأكل في أفخم المطاعم،عندها غضبت غضبا شديدا وندمت على كرمها وحاولت تنًجبه لفترة طويلة..وبعد فترة هدأ الغضب واخذت تراجع نفسها،.لقد وهَبته المال عن طيب خاطر، وهو حر في انفاقه وليس ملزما أن يقدم لها كشفأ عن كل فرنك أنفقه وفيما أنفقه فقط لأنها الواهبة..لو كانت صادقة في عطائها لما ثارت..لو كان كرمها لوجه الله لما غضبت..فيما بعد لم تتوقف عن العطاء وأن توقفت عن أنتظار عبارات الامتنان والعرفان وقائمة المصروفات.
.. ومما يروى عن الطيار والكاتب «سانت اكزوبيري» صاحب قصة الأمير الصغير انه تطوع لجمع مبلغ من المال من أصدقائه الطيارين لخادم مغربي كان يعمل في القاعدة الجوية في إفريقيا معهم.واستطاع بعد فترة تدبير مبلغ ألف فرنك وهو مبلغ ضخم آنذاك لكي يعود الخادم إلى مسقط رأسه.وتطوع احد الطيارين بنقله للدار البيضاء.وحين عاد روى ملاحظاته باستياء. اذ عاب على الخادم ذهابه لتناول الطعام في افخر مطعم.ثم إسرافه في توزيع الإكراميات.وشرائه الهدايا لأطفاله وأطفال قريته.وعلق قائلا في نهاية حديثه: لم يكن لدى هذا الرجل أي أحساس بضرورة التوفير.ولا أحساس بالهبات والعطايا التي دفعناها من جيوبنا..وظل اكزبيري صامتا حتى انتهت التعليقات التي تُدين الخادم الذي لم يُقدر قيمة تضحيتهم بجزء من اموالهم وكان سفيها في أنفاق مال لم يتعب فيه فقال: انتم مخطئون.انه يعرف ان أفضل استثمار في العالم هو الناس.فهو عندما انفق المال بهذه الطريقة استطاع كسب احترام مواطنيه.وهو لن يعدم إيجاد وظيفة سيتسابق الجميع لتوفيرها له.في ناهية المطاف سيكون هو الرابح وليس الخاسر كما تتصورون.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري