كتاب وأراء

رجل الشتاء

حول شخصيتين محوريتين «طلال، ماتيلد» في رواية رجل الشتاء، و«جيروم، سيلفى» في رواية الأشياء، تدور أحداث هاتين الروايتين. شخصيات تواجه قدرها الخاص وإن على مستويات مختلفة، لها نفس الإشكاليات مع الناس والمكان، وحتى مع بعضهم البعض؛ سوف يكون هذا اكتشافاً أولياً ما أن تشرع في قراءة رجل الشتاء، الصادرة عن دار التنوير، ودار طوى، سنة 2017.
ثم تكتشف أنه من الجيد أنك قرأت رواية الأشياء، الصادرة عن دار شرقيات سنة 2000، للروائي الفرنسي جورج بيريك، أو على الأقل فصلها الأول، تكتشف أن هذا التمرين القرائي قد يجعل الأمور أسهل مع رجل الشتاء.. مصادفة قرائية مثل هذه ستمنحك مباشرة فكرة عن طريقة تكنيك الصياغة التي اعتمدتها رواية رجل الشتاء، صياغة التنبؤ، هذا أقرب ما استطيع توصيفها به، الكتابة باعتبار ما سوف يكون، سوف أورد مقطعين من العملين، كي يتسنى لكم فهم ما أود قوله بالصياغة التنبؤية: من رواية الأشياء «ستكون الحياة هنا سهلة، وتكون بسيطة.. هنا، تستطيع كل ضرورات الحياة المادية، كل مشاكلها، أن تجد حلاً طبيعياً.. سوف تأتي شغالة في كل صباح.. وفي كل خمسة عشر يوماً، يُورد إلى المنزل النبيذ والزيت والسكر.. سوف يوجد مطبخ واسع وشرح».. ومن رواية رجل الشتاء: «ستمر دقائق– ليست بضعاً من الوقت– ستكون سجل تخيلات تطفو بشهيق سيلزمني كتمه.. سأضطر إلى التخلص من الاضطراب الظاهر للحظات عند أي بداية حديث.. السيدة ستخفف من هذه الحالة من تتأفف لحظات الانتظار.. سيكون انتباه... إلخ».. الآن هل فهمتم ما أود قوله؟!
بالطبع قارئ العملين سيكتشف أيضاً أن الأحداث تدور في نفس المكان، في مدينة باريس، الفارق أن باريس رجل الشتاء أكثر تفصيلية، أكثر رصداً، وأكثر احتفاليةً، طلال ذلك الذي قدم نفسه لماتيلد بهذه الطريقة: «طلال من العربية السعودية.. نتشرف».. طلال هذا لم يتركه النص الروائي وحيداً، ليخبر كامل دهشته بهذا المكان، بل رفده بحاشية طويلة جداً، ساهمت في توصيف عريض، بالإضافة لمساهمته في شروحات كثيرة- لهذه الباريس المبهرة، وناسها الذين تقاطعت حياتهم مع حياة طلال هناك، مع كل أفكارهم ومعارفهم.
في الغالب أنت تقرأ الرواية، أي رواية، للمتعة، قد تتعثر ببعض المعرفة، لكنها معرفة غير مقصودة، أو ليست هدفاً وراء اقتنائك، أي عمل روائي، هذا الأمر يختلف مع رجل الشتاء، إذ إنك ستعيد ترتيب أولوياتك أثناء قراءة هذا العمل الروائي، سوف تجد أن المعرفة تحتل الصدارة مباشرة بعد أول صفحتين أو ثلاث من العمل، ستجد نفسك مجبراً على التوقف هنا وهناك، لتسأل، أو تقوم ببحث صغير لتتأكد.. سوف تواجه أفكاراً تصيبك بالحيرة، بالطبع هناك حاشية تمثل نصاً روائياً موازياً للمتن، سوف يساعدك، لكنه لن يكون كافياً أبدا، سوف تضطر، مثلما يفعل من يتابع برنامجاً وثائقياً، إلى إيضاح هنا أو هناك، تقوم به بنفسك، طبعاً كل هذا على مستوى القراءة الأولى، على مستوى السطح، لكن ينتظرك عمل أكثر جهداً، عندما تغوص في قراءة أعمق لشخصية طلال الذي جعل كل شيء يدور حوله، هذا الذي يصرخ في وجهك من البداية، عندما اعتمد أسلوباً ما سوف يكون، ليخبر عن قصته الطويلة، هو غير جازم بشيء، ومثلما يحدث في فيلم «شك، DOUBT»، سوف تغادر هذا العمل وأنت مملوء بعدم التيقن، لن يكون من السهل عدم الحنق على طلال هذا، ولا على تضخيمه لتلك التفاصيل الصغيرة، تود أن تقول له في أكثر من مكان «افعلها فقط»، ستحزن كيف يتلف حياته بكل هذه الحيرة، والحسبان، والكلفة، سوف يشقيك معه، مثلما يقول: «يشقيني هذا الرحيل في التحري عن المكنون.. عليّ أن يعرف لعبة المجرة.. أن أجيد فتنة التدوير.. أي تجربة أعيشها وأعبرها أتقدم في الحياة لأعرف أن نقطة الابتداء هي أبعد نقطة في العمر وهي أقرب من نحري؟!».. هذه الوجودية الشاقة، والتي لفت لها بطل الرواية عندما تحدث عن «غرنوي» بطل رواية العطر، عن تلك الأجزاء التي لن يتمكن أبداً من الإمساك بها، ليس بشكلها المادي، لكن الإمساك المعرفي بها «لن ألمس في ماتيلد إلا ما قد تتركه في الأشياء من بصمة.. لن أشم فيها إلا ما قد يضوع من تصور عبقها، ولن أسمعها كما تشتهي مسامات جلدي، ولن أراها كما يصرخ عقلي.. سيحاصرني بطل هذه الرواية».. نعم سيحاصره غرنوي في وجوديته اللانهائية، في عذاباته، مثل عذاب أن يبحث شخص عاقل فيما وراء العطر، معناه، بدل الاستمتاع به.. وهذا ما فعله طلال مع الحياة نفسها.. وفعل من هذا النوع قد يحدث ضد طبيعتك، ضد إرادتك، لكنها القراءة، مثلها مثل الكتابة، هي تلك العملية الطويلة من الاستدعاء والتذكر، والكراهية أحياناً.
أنصح بقراءة رواية رجل الشتاء كي تصبح قارئاً أفضل.. لا يمكن لي تطمينك، عليك الاكتشاف- في صدمات قرائية يورطك فيها روائيون نادرون وعباقرة- أن القراءة ليست عملاً سهلاً في جميع الأحوال، أو لنقل ليست جميع الأعمال بنفس السهولة، إذ عليك التمرن مطولاً قبل شروعك في قراءة أكثر جدية، هذا الأمر ينطبق ليس فقط على الأعمال الفكرية، إنما وأيضاً على الأعمال الأدبية، وعندما تخوض تجارب أكثر صعوبة في القراءة، تستطيع التعرف إلى أي حد أصبحت تمتلك قدرة القراءة الاحترافية، وتاريخك الشخصي في قراءة مثل هذه الأعمال يساعدك في ارتياد آفاق أبعد، وتجريب متعة أكثر عمقاً، أقصد متع، وأحدها أن تقوم بمقارنة عملين لا يقلان لذة عن بعض.. فقط لتثبت لنفسك أنك لست أقل من العمل الذي قمت بقراءته.

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد