كتاب وأراء

مقتطفات صحفية

أولاً يجب على الكاتب أن يتـقن لغته، وما من إنسـان في العالم يمتهن مهنة دون أن يجـيد اسـتخدام أدواته. ثانياً: العتب على كاتب مخضرم وشـاعر ومؤلف وناقد، أكبر بكثيـر من العتب على كاتب مبتدئ. ثالثاً: تحفـل الـلغة العربية بصـفات تأخذ صيغـة المؤنث، لكنها تطلق على الذكور، منها مثلاً: نابغة، وعلّامة وهي مرتبة فوق العالم، ونسّابة وهو العالم بالأنساب، وكان أبو بكر رضي الله عنه نسابة، وراوية في الشعر وكان الحطيئـة راوية كعب بن زهـير، وجميل بثينة راوية هدبة بن الخشـرم، ومنها بحّاثـة وهي صيغة مبالغة من باحث. أحد الذين ينطبق عـليهم ما قـلناه في ثانياً كتب «وكان الدكتور.. بحاثة فـذّة» وقـلنا كما قال طرفـة بن العـبد وهو ابن سـبع سنين: استنوق الجمل.
مبحث النسبة في اللغة العربية طويل ومعقد، وفيه تفصيلات كثيرة لن نزعجكم بهـا، والنسـبة باخـتصـار شـديـد إلحـاق ياء بالاسـم وكسـر آخـره: قـطر وقـطـري، مصـر ومصري، وبهذا تصير النسبة صفة للمنسوب، والنسبة دائماً إلى المفرد: دولة ودَولي صحيفة وصَحفي، ولهذه القاعـدة استثناءات، لكنني لم أجد بينها تغيير الكلمة، وقرأت في يـوم واحد مقالتـين لكاتبيـن أورد كل منهـما صفـة «نفـسـاني» فـقال الأول «وهـو مرض نفسـاني» وقال الآخر «وهي حالة يعرفهـا الأطباء النفـسانيون» ونتسـاءل: ما مبرر إضافة «ألف ونون» إلى الكلمة؟ إننا نقول: علْم وعلمي، فلماذا لا نقيس عليها؟ وقد قالوا «عـلمانيون» للتميـيز بين الصفتين، لأن الثانية ليسـت منسـوبة إلى العلم بل إلى العلـمانية، ويذكرنا هـذا بقـول بعـض الكتاب «صيدلاني» عن المتخـصص بعـلم الصيدلة، قلماذا لا يقولون صيدلي؟
قـلت مراراً إنني لا أحلم بأن تغـير ملاحظـة مني أو من غيري نمط الكتابة السـائد، وتقضي على كثرة الأخطاء النحوية والصرفـية التي استشرت فيما نقرأ، ولكنني لن أتوقف عن الكتابة والتنـبيه إلى الخطأ، وقد أعـيد الكتابة عن خطأ سبق لي أن نبهت إليه، لعـل أحداً ينتبه ويرعوي عن ارتكاب هذا الفعل القبيح بحق اللغة، وأنا مسـتمر فـيمـا «ورطـت» نفـسي فـيه، ربـما عـملاً بالمثل الخليـجي «كـتر الدق يفـك اللحام»، وأضيـف أننا نقرأ على الشـاشـات أخطاءً شـنيعة ونسـمع مثلها في الإذاعات، فلماذا نعفي أهل الإذاعة والتليفزيون؟ ألسنا نقول: الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية؟ بل إننا في أحيان كثيرة نجد أخطاءً إملائية، يا للحزن والأسى.
ليس الخطأ دائمـاً نحويـاً أو إملائيـاً أو في اقـتباس آيـة أو حديث شـريـف أو بيت من الشـعر، بل قـد يكون الخطأ في تركيب الجملـة واسـتخدام بعض الكلمات بما يتناقض مع النحو العربي، ومن أشهر هذه الكلمات كلمة «بعض» ولن ينتهي الحديث عنها في مقالة واحـدة. قرأت هـذا العـنوان «اللغـة التي لا تصلـنا إلى بعضنا» وقـرأت المقـال فوجدته يتحدث عن انعدام التواصل فيما بيننا، ولم أسـتطع أن أفهـم ما عـنته الكاتبة بالعنوان، وفعـل «وصل» يتعدى بنفسه أو بحرف الجـر «إلى» أو بحرف الجر «من» فنقول مثلاً: وصلني منك كتاب فرحت به، ولكن العنوان المذكور لا يفـيد بشيء من هذا، هل كان صعباً القول: اللغة التي لا تحقق التواصل بيننا؟
في الفقرة السابقة تحدثت عن اقتباس آية كريمة أو حديث شريف أو بيت من الشعر، وقد نبهت مراراً إلى عدم جواز نقل الآية أو الحديث خطأ، فهذا قد يقترب من الكفر، أما في الشعر فإن الدواوين موجودة ورقياً أو على النت، فلا يجوز القول: وكما قال الشاعر، إن من حق هذا الشاعر أن ننسب البيت إليه. آخر ما قرأت في هذا المجال مقالة لكاتب يرصع اسمه بلقب «دكتور» ولا أدري في أي علم تخصص، وقد استهل مقاله بالقول: صدق الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي حين قال:
لكل داء دواء يستطاب به
إلا الحماقة أعيت من يداويها
وقد أخطـأ الكاتب مرتين: الأولى أنه نسـب إلى المتـنبي ما لم يقـل، ليس لأن المتنبي أرفـع من أن يقـول هذا البيت، فهـو من عـيون الحكمة، بل لأنه ليس من شـعره، وقد بحثت في ديوان المتـنبي أولاً فلم أجـده، ولم أجده في ديوان أي شـاعر معروف، وقد عـدت إلى أمهات الكتب فـوجدت المؤلفين جميعاً يقولون «وكما قال شاعر» وهكذا ظل البيت يتيماً لا ينتسب إلى أي شاعر. وبالمناسـبة لا أنصحكم بالركون إلى «الإنترنت» فـقد اسـتعـنت بالشـبكة فوجدت مواقع كثيرة تنسـبه إلى المتنبي فعلاً، وهذا لا يعـني إلا شيئاً واحدا: أخطأ أحد المواقع وربما كاتب كصاحبنا صاحب المقال، وتبعه الآخرون في هذا الخطأ.
والثانية أنه قال «يسـتطاب» وهـو في الأصل «يُسـتطبُّ» والفرق شـاسع بين الفعـلين، فالأول «استطاب» أي وجده طيباً، استطاب الطعام، استطاب المكان، وهكذا، والثاني «يستطب» يعالج ويداوى، وثمة فرق كبير بين المعنيين.
قـلت كثيراً إننا نعـتب عـلى كبار الكتاب لسـببـين: الأول أنهـم كان لهم مـن خـبرتهـم وقِدمهم ما يجب أن يجعلهم يتحرون اللغة الصحيحة، والثاني: أنهم قدوة للمبتدئين من الكتّاب، و«من اسـتن سـنة سـيئة فـعليه وزرهـا ووزر من اتبعهـا إلى يوم القـيامـة لا ينقص هذا من أوزارهم شـيئاً». قرأت لكاتب قديم مخضرم من أشـهر كتاب الأعمدة الصحـفـية مقالاً قال فـيه «عدم إشـغال الرجـل المناسـب في المكان المـناسـب» وهذا المعنى شائع ومتداول جداً، وهو «وضع الرجل المناسب في المكان المناسب» وخطأ الكاتب استخدام المصدر «إشغال» من الفعل «أشغل» وهو فعل لا وجود له في بعض المعاجم، وفي بعـضها الآخر أنه لغة رديئة. وللجذر «شـغـل» اشـتقاقات كثيرة، منها مشغول وشاغل ومشتغل وكلها كلمات ترد حتى في العامية.
أجدني في كثير من الأحيان مضطـراً إلى إعادة بعـض الملاحظات، وما أقول هـذا مللاً، ولكنني أستغرب أن يعـود الكاتب إلى الخطأ بعـد تنبيهه. من هـذه الملاحظات أفعال الطلب والنهي والأمر والحضّ والتمني والترجي: هلّا تجتهدْ تكنْ مسـروراً، تعـلـّمْ تفزْ، إفعـل خيراً تؤجرْ، أطعْ أبويـك تلـْقَ خيراً (أصل الفعل قبل الجزم تلقى) أطع الله تفزْ في الدنيا والآخرة. كما تلاحظون يأتي الفعل المضارع بعد فعل الطلب أي جواب الطلب مجزوماً دائماً، وأشهر هذه الأفعال فعل «دع» ومع ذلك من النادر أن نقرأ جملة، أو نسمع متحدثاً يجزم الفعل بعد الطلب: دعنا نقول، دعوني أبيّنُ لكم أصل هـذه المشـكلة، دعنا نسـعى في معـرفة الحقيقة (الصحيح دعنا نسْـعَ) وآخر ما قـرأت من هـذه الأخـطاء مقالـة لكاتب زميـل رشـيق العبارة، وقد نفـّرني الخـطأ في العـنوان من قـراءة المـقالـة «أعطني إعلامـاً حراً.. أعـطيـك..!» (والنـقـط وإشـارة التعجـب في الأصل وليسـت من عندي، ولم أجد لها ضرورة) لعل الزميل لم يسـمع بالجزم بجواب الطلب، ولعله لم يقرأ قول طرفة بن العبد:
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي
فدعني أبادرْها بما ملكت يدي.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين