كتاب وأراء

هدايا السماء

يروق لي أن أعتبر نفسي من الناس الذين يصحون فجراً، ظهراً أو عصراً، لينتظروا زهراً أو لنقل ليأملوا في الهدايا كثراً.
أشعر أن لكل يوم هديته بل لربما يكون اليوم بحد ذاته هبة ربانية كـ«الماتريوشكا» داخلها أحداث حبلي بدورها بالهدايا أو المفاجأة أو المؤن الربانية التي قد تكون على شاكلة حدث مفرح، منظر مشرح، معنى جميل أوصدفة مبهجة يوفقك الله فيها لمعرفة خلق يفتحون لك آفاقا جديدة.. أو حادث يتيح لك التعرف على صاحب عمل يوظفك فتربح وتكسب ان شئت التفكير فيما وراء الحادث أو تحزن وتكتئب لو حصرت نفسك في الحادث وخسائره.
يسر تحسبه عسرا.. خير تحسبه شرا وهو عند الله ومن الله محض إحسان..
ولا أنكر وجود الخيبات والمضرات والحسرات إلا ان الجميل أكثر وبكثير.
الشاهد أني من المنقبين عن السعادة ولو في جحور هذا الكون الثري بأهله ومخلوقاته، فأجدني وبحق من الناس دائمي انتظار وتوقع البديع. بل ويلذ لي التفتيش عنه.
وقد حمل لي هذا الشهر «آذار- مارس» هدية غالية من صديقة عزيزة هي الفنانة التشكيلة المصرية القديرة دينا فهمي، فكان وقع المفاجأة على قلبي خارج نطاق التوقع سيما أن هذه الصديقة غائبة عني ولم أرها مذ ما يربو على ربع قرن، فلم أكن أتوقع أني مازلت أحيا على خريطة ذاكرتها.. وستظل لوحتها «الايادي البيضاء» الأكثر من قيمة تبرهن على عجزي عن التعبير عن الامتنان لها ولحضوري في ذاكرتها على مر البعد.
وقد ألهمتني هديتها زخما من التأمل، فلطالما تصلنا هدايا ونعم ووصال لا من الخلق بل من الخالق.. من رب العالمين على أننا وعلى ذلك نصر على التعامل معه سبحانه على أنه غيب بالنسب لخلقه.
كيف يكون غيباً وهو حاضر بنعمه؟!
كيف يكون غيباً وحاضر بإسعافه لنا في الشدة؟!
كيف يكون غيباً وهو ناصر لنا في المظالم ولو بعد حين؟!
كيف يكون غيباً وهو كاشف المكائد التي تدار لنا من خلفنا؟!
كيف يكون غيباً وهو يرد التحية بالتحايا ويرد الهدية بالهدايا ويرد السؤال بالعطايا؟!
بل هو حاضر وحضوره جلي وقوي سواء في حفظه لنا من الكروب.. حاضر ما دمنا نفر إليه ونستحضر وجوده ونستقطر نعمه ونعلن احتياجنا له وضعفنا من دونه.
انني لأجدها لكبيرة أن نصر على غيبية رب العالمين رغم ان حضوره جلي بل فاقع وظاهر لكل ذي بصيرة.
جلي حينما نستطعمه فيطعمنا
جلي حينما نحتاجه فلا يحوجنا لسواه
جلي حينما نستغفره فيغفر لنا
جلي حضوره حينما نستجير به فيجيرنا
جلي حضوره حينما نستنصحه فينصحنا ونستعين به فيعيننا ونستقرضه فيقرضنا ونستوهبه فيهبنا.
صدقاً، انه ليس غيباً إلا على المغيبين أولئك الذين ينظرون للصنعة لا للصانع، يأبهون للمنحة لا للمانح يفكرون في العطية لا في العاطي، ينهمكون في التفكر في الورث لا في الوارث!
وهو جل وعلا من قال: (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون) مريم:40

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي