كتاب وأراء

شخصية هادئة تقود حكومة المغرب


اختار الدكتور سعد الدين العثماني تحالفاً حزبياً واسعاً لم يسبق له مثيل لتشكيل الحكومة المغربية بعد أن ظلت البلاد بدون حكومة قرابة ستة أشهر. وضع العثماني طبيب الأمراض العقلية والنفسية شروط سلفه عبدالإله بن كيران خلفه، وحل عقدة حالت دون تشكيل الحكومة منذ أكتوبر ، تمثلت في رفض بن كيران دخول حزب الاتحاد الإشتراكي، الذي كان يعد حزب اليسار الأكثر شعبية في الماضي، بيد أن شعبيته تآكلت خلال السنوات الأخيرة.
إحتفظ العثماني بالأحزاب التي كانت مشاركة في حكومة بن كيران وهي «العدالة والتنمية» إضافة إلى «التجمع الوطني للأحرار» والحركة الشعبية» والتقدم والإشتراكية، ثم قبل دخول «الاتحاد الإشتراكي و«الاتحاد الدستوري» وهو حزب صغير دخل الحكومة بضغوط من «التجمع الوطني للأحرار».
بيد أن أسلوب العثماني لتشكيل الحكومة، ورضوخه لشروط مراكز قوى، أثار موجة استياء وسط «العدالة والتنمية»، لكن خشية الحزب من الانتقال إلى الظل، جعلته يقبل على مضض أسلوب العثماني، الطبيب الهادئ الذي عرف عنه داخل حزبه بأنه يبحث دائماً عن «توافقات» ويتجنب «الإحتكاكات».
بيد أن تمرير «توافقات» العثماني ستقود حتماً إلى إعتزال عبدالإله بن كيران للحياة السياسية، لذلك ألقى» خطبة وداع» أمام اجتماع حزبي. قال بن كيران بصوت متهدج «لا أحد يغفل أن اللحظة دقيقة، ولكن الدنيا ليست واديا يسير بدون مشاكل، كل واد يمر من منعرجات صعبة» وأضاف: «نحن نعيش فترة صعبة في حزبنا» وزاد «ن بعض الأمور سآخذها معي إلى قبري...ولا يمكن أن أقوم بمعركة... لأنني انتهيت».
كان قرار الملك محمد السادس بتعيين العثماني الذي زاوج بين دراسة «الطب والفقه»، لتشكيل الحكومة محسوباً بدقة. إذ إلتزم بنص مادة في الدستور تقول إن رئيس الحكومة يجب أن يكون من الحزب الذي حصل على المرتبة الأولى في الإنتخابات.
يعد العثماني من القيادات التاريخية في «العدالة والتنمية» بل تولى قيادته قبل بن كيران نفسه، ثم أنه كان وما يزال الرجل الثاني، وبالتالي أدى اختياره إلى تهدئة مخاوف انتشرت وسط «العدالة والتنمية» من أن يختار العاهل المغربي شخصية من الحزب، لكن ليس من الصف الأول. خاصة أن إعفاء بن كيران أعتبر أمراً موجعاً لأنصاره داخل الحزب وهم أغلبية.
إن مقارنة بين العثماني وبن كيران قد تفضي إلى خلاصات ربما يصعب فهمها، لكن هكذا هو حال السياسة المغربية.هي بالضبط تجسيد لذلك القول الذي يقول «في المغرب لا تستغرب».
العثماني هادئ، إذ بن كيران صدامي. بن كيران خطيب مفوه له تأثير كبير على الجماهير، إذ العثماني يتحدث بصوت خفيض ويفضل حديث الصالونات. يطرق بن كيران المواضيع مباشرة، إذ يسلك العثماني طريقاً متعرجاً ليقول ما يدور بخلده. يبرع بن كيران في إطلاق القفشات، إذ يحرص العثماني على أن يكون جاداً معظم الوقت وإذا استطاع كل الوقت. يطرح بن كيران مواقفه وأفكاره علناً، إذ يتكتم العثماني على ما يظن ويعتقد. بن كيران سياسي هادر إذ العثماني رجل سياسة هادئ.
داخل حزبهما يكملان بعضهما بعضاً، ولم تحدث بينهما قطيعة أو خصام على الإطلاق.
عمل سعد الدين العثماني وعبد الإله بن كيران معاً في إطار الحركة الإسلامية،وفي تأسيس «حركة الإصلاح والتجديد» الرافد الأساسي لحزب «العدالة والتنمية»، وعند تأسيس الحزب في عام 2004 أنتخب العثماني اميناً عاماً للحزب الوليد. خلال تلك الفترة التي أعقبت تفجيرات الدار البيضاء في مايو 2003 استطاع العثماني أن يقنع الدولة المغربية بأسلوبه الهادئ أن «العدالة والتنمية» قيمة تضاف للمشهد السياسي في البلاد وليس خصماً للنظام.
في عام 2008 بعد أن صار الحزب رقماً في الساحة السياسية انتزع بن كيران قيادة الحزب من العثماني، الذي قبل بأن يكون الرجل الثاني.
بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل