كتاب وأراء

الاحتفالية الأوروبية الحزينة

في ما يشبه احتفالية حزينة، جدد قادة الدول السبع والعشرين التزامهم بمعاهدة إنشاء المجموعة الاقتصادية الأوروبية، التي تم التوقيع عليها قبل ستين عاما بمدينة روما، تم ذلك، بما يليق من أهمية الذكرى وتاريخيتها: في نفس اليوم (25 مارس)، وفي نفس القاعة التي احتضنت الحدث قبل ستة عقود، وبنفس القلم الذي وقعت به معاهدة روما، التي ستترك المكان لاحقا لاتفاقية ماستريخت عام 1993 التي أنشأت الاتحاد الأوروبي.
لكن المؤكد ان قليلا أو كثيرا من الحزن، كان يهيمن على أجواء هذا التخليد، ذلك إن المشروع الأوروبي لا يعيش بالقطع أحسن أيامه، ليس لأنه يأتي في سياق تفاعلات «البريكزيت» وصدمة الخروج المدوي لبريطانيا من الاتحاد، بل ولأن قضية الخروج أصبحت مكونا رئيسيا في حلبة التنافس الانتخابي داخل أكثر من بلد أوروبي، كما هو الحال في فرنسا اليوم، وكما سيكون في ألمانيا في الاقتراع القريب المقبل، أو في غيرهما من الدول.
إحدى أزمات أوروبا اليوم، هي كذلك وبالتأكيد أزمة قيادات أوروبية تشكل امتدادا طبيعيا لجيل الرواد وجيل المؤسسين، الذين وضعوا قدر حياتهم السياسية في خدمة الفكرة الأوروبية، مشروعا وأفقا وحلما.
على مستوى الاستراتيجية، القارة الأوروبية تبدو خارج الذهول، غير قادرة على لا على استيعاب التحولات الكبرى من العالم، كما يكثفها اليوم زعيمان استثنائيان هما ترامب وبوتين، ولا على تدبير غير متردد ومرتبك لجوارها الإقليمي القريب،كما هو الحال بالنسبة للعلاقة مع تركيا مثلا.
في العمق فإن أزمة الفكرة الأوروبية، تظل كذلك أزمة تحول في الثقافة السياسية السائدة داخل مختلف التشكيلات الإيديولوجية لمجتمعات القارة العجوز.
ذلك إن اليمين المتطرف المحمول على أكتاف المد الهوياتي المتصاعد، يجعل من أوروبا أصلا لكل الشرور،وهدفا سهلا لكل انتقاداته المنطلقة ثقافيا من تصور وطني مغلق، والقائمة اقتصاديا على تصور حمائي متشدد، وسياسيا على رؤية سيادية وشعبوية.
من جهتها تتقاطع أجزاء كبير من قوى اليسار مع الخطابات المناهضة لأوروبا، دفاعا عن القرار الاقتصادي المستقل عن إملاءات مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وعن عدالة اجتماعية ظلت أسيرة لمعايير التقارب المفروضة من طرف بروكسيل.
في المقابل فإن الحساسيات اليمينية الليبرالية، والاشتراكية الديمقراطية، التي شكلت حضنا دافئا المشروع الأوروبي، والتي لا تزال مقتنعة بأفقه الاستراتيجي، رغم تواتر دعواتها لاصلاح منظومة الاتحاد الأوروبي، دفاعا عن أوروبا بمضمون اجتماعي أقوى وبنفس ديمقراطي أكبر، تعاني اليوم من انكماش سياسي وانتخابي ملحوظين ومن أزمة قيادات.
هل يكون اذن، مصير الفكرة الأوروبية هو الموت، تحت أثر العودة القوية للوطنيات، وتنامي العجز الاجتماعي، وتصاعد اختلالات العالم، وفورة الشعبوية؟
أم ان ستة عقود من البناء المتواصل والنجاحات الباهرة والتجربة الوحدوية والجهد المؤسساتي، لن يكون من الممكن غلق قوسها بشكل سريع؟
أسئلة حارقة لن يطول موعد انتظار الإجابة عنها، ذلك ان العناصر الأساسية الإجابة سيحملها الناخبون الأوروبيون إلى معازل الاقتراع، وهو ما سيقوم به، أولا، المواطنون الفرنسيون في الأسابيع القليلة القادمة!

بقلم : حسن طارق

حسن طارق