كتاب وأراء

الإرهاب واستراتيجية «الدولة داخل الدولة»

إن من يتأمل الظواهر التدميرية والتخريبية، التي انطلقت بقوة دفع ممنهجة. في اتجاه عالمنا العربي، في السنوات القليلة الماضية، يجدها تتخذ منهجا متطورا، وليس ثابتا، لتتمشى مع تغير الأوضاع، ولتفادي ما يقابل هذه الظواهر من رفض لها، وكشف حقيقتها.

هذه الظواهر رأيناها فيما لحق منظمات الإرهاب الموجهة خارجيا، من القاعدة وصولا إلى داعش – أكثرها دموية ووحشية – وما ارتبط بهذه أو تلك من جماعات عديدة متطرفة، ترتبط بها أو تحمل فكرها.

ورأينا هذه التطورات في الانتقال من مخططات تقسيم الدول من الداخل، إلى دويلات، بدءا من إشعال الكراهية والصدامات الطائفية والعرقية، إلى مفهوم «الدولة داخل الدولة»، مع تمكين كيانات مسلحة من تحدي دولتها، بتسليحها بأحدث أنواع الأسلحة التي يتم تسريبها من الخارج.

ورأيناه في اليمن، مثلا خطة تحويل تمرد الحوثيين إلى دولة داخل الدولة، تساندهم إيران بالسلاح، والخبراء في الحرب والقتال، والتفجيرات التدميرية.

كان الدعم الخارجي، سواء بالسلاح، أو حتى بالتعاطف والتأييد، دافعا لهذه الكيانات المنشقة، إلى الكشف عن هويتها الحقيقية غير المنتمية للوطن، وكذلك تصعيد تطرفها في استخدام العنف، دون مراعاة لأمن وطن، يفترض أنها تعيش في رحابه، وتنتمي إليه ولو نظريا، بعد أن انتقل ولاؤها للقوة الخارجية المساندة لها.

وكان هذا التطور في نمط سياسات تفتيت دول المنطقة، وتقسيمها من داخلها، وصولا إلى مفهوم الدولة داخل الدولة، هو الحل في نظر القوى الخارجية للوصول إلى هدفها الأصلي، والمنصوص عليه في استراتيجيات سياستها الخارجية، وبالتالي تقوية عمليات تحول هذه الكيانات الداخلية، إلى أدوات في يد القوى الخارجية، وإذا كانت بعض هذه الكيانات قد ارتضت لنفسها أن تكون وكيلا لقوة خارجية، فإنها قبلت هذا الدور، حسب إيمان بعضها بنظرية التحالف مع الشيطان، مادام سوف يختصر لها طريق الوصول إلى أهدافها الذاتية.

وهذا النوع من التحالف بين الأضداد، له سوابق في منطقتنا، منها على سبيل المثال ما جرى أثناء حرب العراق – إيران، من 1980 – 1988. وهو ما كشفت تفاصيله صحف أوروبية، منها الصنداي تايمز البريطانية، عن إقامة خط طيران مباشر بين تل أبيب، وبندر عباس في إيران، وتبادل زيارات بين مسؤولين إسرائيليين وإيرانيين، لخدمة اتفاق تم بينهما، تقوم بمقتضاه إسرائيل، بالتسوق لمشتريات السلاح لحساب إيران من الخارج.

إن هذا التطور في التفكير الخارجي، تجاه المنطقة، لا يحدث عشوائيا، بل إنه يخضع لدراسات وبحوث، لعلماء وخبراء سياسيين، وفقا لوجود استراتيجيات ثابتة، ومستمرة، لم تتوقف يوما عن هدف احتواء المنطقة العربية، وإخضاعها لما يخدم مصالح هذه القوى الخارجية، سواء كانت دولية، أو إقليمية.

لذلك أصبحنا نرى كيف تمدد نشاط هذه الكيانات، إلى خارج حدود الوطن الذي تعيش فيه، إلى أماكن أخرى في المنطقة، وتقوم بدور مساند لتمرد وقع فيها، لحساب القوة الإقليمية أو الدولية الداعمة لها. وهو ما جرى في دور حزب الله في سوريا، واليمن، ودور الإخوان في سوريا، وليبيا، وهو ما كانت قياداتهم قد اعترفت به، من تقديم سلاح ومتطوعين للقتال في هاتين الدولتين.

ربما تكون خطة الدولة داخل الدولة، هي آخر صور التطور في الفكر التخريبي، لكن هذا لا يمنع من أن نفاجأ بصور أخرى لاحقة، طالما أن هذه الكيانات تشعر أنها لم تحقق بعد أطماعها في المنطقة.



بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري