كتاب وأراء

تحول تاريخي كيف غيّرت الهجرة وجه أوروبا ؟

ليس صحيحاً ان الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب هو وحده ثمرة سياسة رفض الهجرة (من المكسيك بالدرجة الأولى). الصحيح ان الدول الأوروبية كلها تقريباً تبحث عن ثمار مماثلة. فالانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي هو احدى هذه الثمار. وارتفاع شعبية ماري لوبان في فرنسا وجيرت فالدرز في هولندا هو من هذه الثمار أيضاً. فلوبان التي تتطلع إلى أن تصبح في الربيع المقبل سيدة فرنسا الأولى، وهي تبني سياستها على معاداة الهجرة، خاصة من دول شمال افريقيا (المغرب، الجزائر، تونس). وفالدرز يجاهر بعدائه –وليس برفضه فقط- للمهاجرين المغاربة الذين استوطنوا هولندا واصبحوا مواطنين فيها. وهو يطلق عليهم أوصافاً عنصرية نابية تعزز من شعبيته. ولقد طالب بمنع تداول القرآن الكريم في هولندا بحجة انه يدعو إلى العنف!!
حتى ان مستشارة ألمانيا انجيلا ميركل تخشى من أن تخسر في الانتخابات النيابية المقبلة بسبب موقفها الإيجابي من المهاجرين. وهو موقف توظفه حركة «جيدا» مع «حركة البديل» العنصرية والتي تعني لا للمهاجرين إلى ألمانيا.
ولقد خرجت قيادات سياسية مماثلة إلى الضوء بعد أن كانت مغمورة أو منسية في كل من ايطاليا وسويسرا وبلجيكا، وفي الدول الاسكندينافية ( الدانمرك والنرويج والسويد) على خلفية مواقفها الرافضة للمهاجرين من الشرق الأوسط وأفغانستان وافريقيا. وكاد أن يصل إلى رئاسة النمسا (الدولة التي اعترفت بالإسلام ديناً منذ مائة عام) رئيس يميني متطرف هو هانز كريستيان ستراش، ولكنه فشل بفارق ضئيل من الأصوات، الا انه يقود حركة سياسية معادية للمهاجرين المسلمين. وتحت شعار «النمسا أولا» كتب اغنية يبثها عبر أجهزة التواصل الاجتماعي تقول كلماتها:» ان أمام كل من لا يريد أن يذوب في مجتمعنا طريقاً واحداً فقط، وهو: عدْ إلى بلادك.. وسفراً سعيداً «.
ووصلت هذه الظاهرة المعادية للهجرة إلى دول أوروبا الشرقية، وبرز عدد من القادة السياسيين والحزبيين الجدد الذين يقلدون الرئيس ترامب في مواقفه المعادية ليس فقط للمهاجرين بصورة عامة، بل للمسلمين منهم بصورة خاصة.
ففي بولندة مثلاً برز سياسي جديد شكل حزباً سياسياً يحمل اسمه تسرونغا . وهو في الأساس بائع سيارات جديدة ومستعملة. وقد اشتهر بسبب استعماله عبارات نابية ضد المهاجرين. ووجد طريقه إلى الشهرة من خلال تسريبه عبر وسائل التواصل الاجتماعي معلومات سرية أدت إلى استقالة عدد من الوزراء. ورغم ان حزبه لم يفز إلا بعدد ضئيل من الأصوات في الانتخابات السابقة، الا انه يشكل ظاهرة جديدة في السياسة البولونية لما تتميز به شعاراته الحزبية من عنصرية متشددة.
وفي كراوتيا احدى الدول الحديثة التي انبثقت عن الاتحاد اليوغسلافي السابق، برزت شحصية حزبية – سياسية جديدة هو إيفان بيرنار، وهو معادٍ للهجرة، ولهجرة المسلمين بصورة خاصة، سواء من الشرق الأوسط أو من افغانستان. وقد نظم سلسلة تجمعات شعبية منذ عام 2011 مطالباً بتغيير النظام السياسي وجعله أكثر شعبوية. حتى انه كان يتناول طعام البيتزا في البرلمان وهو جالس على الارض!.
وتقوم دعوته على أساس اعتبار الناتو – حلف شمال الأطلسي – قوة استعمارية.. وان الصديق الحقيقي لبلاده هو روسيا الرئيس بوتين.
وفي صربيا وهي ايضاً من الدول الحديثة التي قامت على أنقاض الاتحاد اليوغسلافي السابق برزت شخصية قيادية تقلّد الرئيس الأميركي ترامب من خلال الجمع بين المال والسياسة، وهو بوغوليب كاريش الذي يدير مع ثلاثة من اشقائه امبراطورية اقتصادية تشمل مقاولات البناء والاتصالات والمصارف والإعلام والتجارة الخارجية. وسبق ان اتُهم بالفساد والرشوة وجرت محاكمته غيابياً، إلا انه هرب من صربيا في عام 2006، ليعود اليها بعد أن سوّى أوضاعه بعد ان أسقط النائب العام الاتهامات التي كانت موجهة اليه!!
وقد شكل حزباً سياسياً باسم حزب صربيا القوية الذي ضمّ 60 ألف عضو جديد بعد عودته من المنفى تحت شعار لا للمهاجرين.. لا للمسلمين!!
ولعل أشهر هذا الجيل الجديد من القياديين السياسيين في أوروبة الشرقية هو رجل الأعمال التشيكي أندريه بابيس، ففي عام 2011 شكل حزباً سياسياً باسم «آفو» هدفه إدخال اسلوب العمل في الاقتصاد إلى السياسة. وقد تبوأ منصب وزير المال في الحكومة الحالية وهو مرشح لرئاسة الحكومة المقبلة. وشعاراته السياسية المعادية للمهاجرين والتي تتسم بالعنصرية الشديدة، تقوم على أساس انهم يشكلون خطراً على النمو الاقتصادي وعلى مشاريع الرفاه الاجتماعي للشعب التشيكي.
تلتقي كل هذه الحركات السياسية الجديدة على تبني سياسة الرئيس الأميركي ترامب في معاداة الهجرة وفي رفض الاتحاد الأوروبي.
من أجل ذلك يشعر قادة الاتحاد في بروكسل بخطر داهم اذا استمرت هذه الموجة الشعبوية في التصاعد، مما قد يغير من وجه أوروبة كما هو عليه اليوم، وقد يصدّع هذا التغيير وحدتها التي تصون بها السلام والاستقرار في القارة بعد ان مزقتها على مدى القرن العشرين سلسلة حروب كان أكثرها تدميراً الحربان العالميتان الأولى والثانية.
في الأساس قام الاتحاد الأوروبي على تجاوز «الوطنيات الضيقة «، والشعبويات المتطرفة (النازية والفاشية، الخ..) وها ان هذه الشعبويات بدأت تطلّ برأسها من جديد لتوجه طعنات من الحلف إلى الاتحاد. وبدأ الاتحاد يترنح تحت ضربات خارجية أولاً من واشنطن ترامب ومن موسكو بوتين.. والآن من داخل العمق الأوروبي ذاته. حتى ان التمسك بالاتحاد يبدو نوعاً من التحدي في مواجهة عواصف تهب عليه من وراء المحيط الأطلسي.. ومن خلف جبال الأورال.. ومن وديان وسفوح جبال الألب!!..
بقلم : محمد السماك

محمد السماك