كتاب وأراء

حديــث القلب

أهدتها جدتها حين كانت على وشك الرحيل إلى العالم الجديد مفكرة وطلبت منها ان تكتب فيها كي لا تنسى..لا تنسى احباءها.. كانت في الحادية عشرة من عمرها حين ودعت جدتها على شواطئ برشلونة في طريقها إلى نيويورك،وفي الباخرة بدأت بكتابة أول صفحة..ولم تتوقف بعدها عن الكتابة...ملأت عشرات الصفحات،واحتاجت إلى مفكرة أخرى واخرى،ولمدة ستين عاما.
ان كتابة اليوميات كما قالت «اناييس ين» تكشف عن عادات كثيرة،عادة الأمانة والصدق والعفوية والارتجال،فليس ثمة من يعتقد أن يومياته سيقرأها الآخرون،ملأت هذه اليوميات خمسة عشر مجلدا،بخلاف الروايات والقصص والكتب النقدية، ودافعت عن وفرة كتاباتها بقولها:«ان لم تتنفس عبر الكتابة.إن لم تصرخ في الكتابة،او تغني في الكتابة،اذاٍ لا تكتب،لأن ثقافتنا ليست بحاجة إلى هكذا كتابة....ارم احلامك في الفضاء،كما ترمي طائرة ورقية،فأنت لا تعرف ما الذي ستعود به،حياة جديدة...صديقا جديدا...حبا جديدا...بلدا جديدا» . وكما حافظت على عادة الكتابة حافظت على وزنها «اربعة وخمسون كيلو»منذ أن كان عمرها 16 عامًا، وكانت دائمًا ترتدي الفساتين بمقاس واحد لا يتغير. استمر جسدها رشيقًا ومليئًا بالحيوية؛ وكذلك روحها، لقد كانت تمشي كثيرًا دون تعب، وتسبح كل يوم.وتكتب كل يوم، سألها أحد الصحفيين ذات مرة: «ما شعورك تجاه تقدّمك في السن؟» أجابت: «كنت أقلق بشأن هذا الأمر عندما كنت في الثلاثين والأربعين من عمري، أما الآن فلا. إذا استطعت العيش بجنون، والحفاظ على حياة عواطفك، وبقائك فضوليًا، مستكشفًا، متقبّلا للتغيير، والتجارب الجديدة، فإن التقدم في السن لا يهم أبدًا. الأمر ليس مرتبطًا بالترتيب الزمني، بل بالترتيب النفسي. أستطيع أن أكتب طوال اليوم، أسبح، أحاضر، أسافر. أظن أن التقدم في السن هو بالكاد لحظة تعب». ولكن برغم جمالها وروحها الشابة، وجسدها الذي تبدو عليه الصحّة، هاجمها مرض السرطان. وقبل وفاتها بفترة، صنع لها أحد اصدقائها المقربين بيديه مذكّرة رائعة من الأوراق اليابانية الناعمة. كان غلافها من الجلد الأحمر المذهّب. وعندما رأتها «أناييس» قررت ألا يُكتب فيها أي شيء له علاقة بالسوء أو المرض، وأنها ستكتب فيها فقط عندما تستمع إلى الموسيقى،وأنها لن تستسلم للمرض،وللرتابة والملل،وانها تستمتع بكل دقيقة باقية لها على وجه الارض،ولن تكون كالملايين من البشر الذين يعيشون في سبات وبلا متعة، يمارسون أعمالهم في المكاتب، يقودون السيارات، يخرجون مع عائلاتهم، يربّون أطفالهم،ولا يذوقون بهجة الحياة الا أذا أصطدم بهم علاج ما، شخص، كتاب..أغنية ما... عندها يستيقظون وينجون من الموت... ووصفت أسلوبها في الحياة في كلمات قليلة: انني لا استجيب للأحاديث الصغيرة.. وأفضل الصمت. أحذف الكثير وأستدير بعيدا.. وأندمج دوما في جوهر الناس أتأملهم وأنتشي عندما أنصت لحديث القلب.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري