كتاب وأراء

نعيش في الأرض الخراب

نحن نعيش في «الأرض الخراب»، فالجنون الحالي سوف يدمر الأرض إن استمر طويلا، قبل سنة كنا نقول إن التطرف والإجرام وصل إلى حده الأقصى، فالأنظمة المجرمة التي تصر على بقائها فوق دماء شعبها كانت تتنافس في الإجرام مع التنظيمات الإسلامية الراديكالية، كنا نقول: هذا أقصى ما يملكه الطرفان، لا يمكن أن يحدث ما هو أفظع بعد! شعوب تباد ودول تفنى والعالم يشاهد بصمت، فإن تكلم فلمجرد التخفف من عبء الإحساس بالذنب أمام التاريخ، لا أكثر، وكنا نقول أيضا إن هذه الدماء التي تضج بها أرضنا لابد وأن تحرك القليل من ضمير العالم قريبا، فالصمت هو خروج عن كل القيم الإنسانية! كنا نعول على بعض الإنسانية! ولكن يوما بعد يوم نكتشف كم نحن واهمون وسذج، أو، كي لا نقسو على أنفسنا، كم نحن حالمون، فنحن لا نحسب على البشرية في عالم اليوم، دماؤنا لا تشبه دماء باقي البشر، نحن الذين يبلغ عددنا ملايين البشر لا نساوي شيئا في حساب سياسات العالم المتحضر.
ست سنوات لم تبق فيها طريقة للموت لم تجرب بنا، ست سنوات والموت يحمل معوله ويحصد كل من يصدفه في طريقه في بلادنا، ست سنوات ونحن لفرط ما عانيناه من الخذلان والخيبات، نمعن في كراهية بعضنا البعض باسم الأوطان والأديان والمذاهب والقوميات، ست سنوات ونحن مفخرة لاعبي السياسة ومفخرة تجار السلاح، ومفخرة تجار الدين ومشعوذي المذاهب، ومفخرة صانعي الايديولوجيات القاتلة، ومفخرة مانحي الهويات القاتلة، فلم نكن سوى حقل تجارب ناجحة لهؤلاء، أثبتنا لهم بكل بساطة أنهم الأقوى، سمحنا لهم أن يجعلوا منا فئران التجارب بسبب انحيازاتنا اللاوطنية، ست سنوات والخراب يفاخر بسذاجتنا ونحن نصرخ ونصرخ مستنهضين ضمائر البشرية دون أن نبحث في ضمائرنا عما أوصلنا إلى هنا.
العالم يتمادى في عنجهيته وتباهيه بدعمه للموت وصناعه، ونحن نتمادى في نكوصنا وانغلاقنا وهزائمنا وكراهيتنا لأنفسنا، يقوم أحد منا بقتل عشرة أشخاص، يضج العالم وتضج البشرية حدادا على هؤلاء وتهديدا لنا.
نحن صانعي الإرهاب، ويقتلون منا يوميا المئات، تحت ذرائع عديدة، دون أن يسأل أحد عن دمنا، نحن لسنا سوى أرقام في عدادات موتهم، لا هويات لنا ولا ملامح ولا أسماء ولا أوطان ولا شيء، مجرد أرقام فقط، تزداد يوما بعد يوم وتحسب على الموت والفناء، بينما ضحاياهم القلة، لهم صور يعرفها العالم كله، ولهم أسماء وملامح ستظل ماثلة إلى أبد التاريخ، لهم أوطان تحترم خصوصية موتهم، بينما نستباح نحن حتى في موتنا، نستباح ونستبيح أنفسنا، حين يمجد بعضنا القتلة، ويمجد آخرون قتلة آخرين، حين نهلل لتقدم الموت في بلادنا باسم الانتصار، ونساعد «العالم المتقدم» على قتلنا باسم المستقبل.
هل من جنون يمكن أن يعيشه كوكب البشر أكثر من هذا؟ كوكب يضج بالموت والمجرمين والقتلة، ويزداد فيه التطرف يوما بعد يوم حتى ليبدو أن لا نهاية له إلا بنهاية البشرية وفنائها، نعم، نحن تماما نعيش في الأرض الخراب.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران