كتاب وأراء

ما لم يقل عن ريما خلف «العربية» !

ريما خلف سيدة أردنية وعربية، تتمتع بمؤهلات وكفاءات علمية عالية مكنتها من فرض حضورها واحترامها في بلدها أولاً، حيث شغلت عدة مناصب وزارية، وشاركت في صنع وتخطيط سياسات بلادها خلال فترة التسعينيات. ثم على الصعيد الدولي بتبوّئها مناصب رفيعة في الأمم المتحدة كان آخرها مساعدة الأمين العام- الأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «اسكوا» ومركزها بيروت.
وهو المنصب الذي استقالت منه في منتصف هذا الشهر رافضة سحب التقرير الشهير الذي أشرفت على وضعه، والذي يدين إسرائيل لفرضها نظام فصل عنصريا ضد الشعب الفلسطيني.
وقد شغلت قبل ذلك رئاسة المجلس الاستشاري لصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية. كما اختيرت من قبل صحيفة «فايننشل تايمز» كإحدى الشخصيات الخمسين الأولى في العالم التي رسمت ملامح العقد الحالي، وغيرها وغيرها من المناصب المهمة.
لمعت خلف وأثبتت جدارتها في تحمل مسؤوليات إدارية وحكومية وسياسية في مجالات التنمية والتطور الاقتصادي الذي يحتاجه الأردن. وانتقلت إلى الأمم المتحدة لتساهم في تنمية ونهضة الدول العربية ودول العالم الثالث. وعملت أيضا على ملف أصعب هو نشر الديمقراطية وتعزيزها في هذه البلدان. فرضت نفسها في بلدها قبل أن تنتقل إلى المجال الأممي الأوسع والأشمل لتتابع الاهتمام بملفات حساسة ومفصلية بالنسبة لمعظم الدول الآسيوية، وتطلق مبادرات في التعليم، والنمو الاقتصادي والمشاركة المدنية وحقوق الإنسان.
ولا شك أن استقالتها المدوية تشكل صفعة لمصداقية الأمم المتحدة، سيما وأنها تعرضت لضغوط إسرائيلية وأميركية من أجل سحب تقريرين أمميين، الأول يتهم إسرائيل بارتكاب جريمة الفصل العنصري (ابارتهايد) ضد الفلسطينيين. وبحسب تعريف التقرير الأممي نفسه، يقوم نظام «ابارتهايد» على ممارسة سياسة «العزل والتمييز العنصريين المشابهة لتلك التي كانت تمارس في دولة جنوب إفريقيا، وتنطبق على الأفعال اللاإنسانية المرتكبة بغرض إقامة وإدامة هيمنة فئة عرقية ما من البشر، على فئة أخرى واضطهادها بصورة منتظمة»، وهو ما يخالف القانون الدولي وحقوق الإنسان ويحمّل الدول مسؤوليّات قانونيّة.
إن التقرير الأول بحد ذاته يرتدي أهمية قصوى، يزيد منها موقف خلف الرافض لسحبه، ما ساهم في كشف وجه إسرائيل العنصري وإحراج الأمم المتحدة. إلا أن ما لم يتوقف عنده كثيرون هو التقرير الثاني الذي حمل عنوان «الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل»، الذي لا يقل أهمية عن الأول، والذي اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريس انه لا يعبر لا عن قناعاته ولا عن مواقفه. ففي حين يتكلم الأول عن الاحتلال الإسرائيلي وممارساته المكشوفة ضد الفلسطينيين، يتصدى الثاني لما تتعرض له الشعوب العربية من قمع وفساد الأنظمة، وتحول العالم العربي إلى «حفرة من النار». وما يزيد من أهمية التقرير أن الذين أعدوه هم عرب وليسوا باحثين غربيين حاولوا «إسقاط» قيمهم ومفاهيمهم على بلداننا.
وقد جاء في مقدمة التقرير: «في العالم العربي، نزاعات واقتتالات أهلية تعصف بثلث بلدانه. فِتنٌ طائفية تمزّق شعوبه، دول تتنازل عن سيادتها طوعًا أو إجبارًا. بلاد تتداعى، في عالم عربيّ غير عربيّ، يصنعه الآخرون، ويفرضونه على أهله بقوة السلاح. أمّا الناس فيخيّرون بين السيئ والأسوأ، بين جور الدولة وجور غيابها، بين ظلم الوطن وظلم المنفى، بين الموت والمذلّة».
وتتجلى الجرأة في وضع الإصبع على الجرح: «إن كثرة من نظم الحكم العربية لم تنبثق من إرادة شعوبها فاحتمت بالخارج وسيدت مصالحه على مصالح ناسها. ولما اتسعت الهوة بينها وبين الناس لجأت هذه النخب إلى القمع والفساد للسيطرة عليهم. وقد تصاعد غضب الشعوب عندما لم تنجز هذه النخب ما وعدت به من حرية ورفاهة. وفي ظل الاستبداد والفساد، عانى المواطنون من شتى أشكال العنف المعنوي والمادي. وفي ظل اقتصاد تابع وريعي، ازداد الفقير فقراً والثري ثراءً...».
هذا بعض مما جاء في التقرير غير المسبوق الذي لم يتكلم عنه أحد، والذي أشرفت عليه أيضا الدكتورة خلف، ومهرته بتوقيعها!

بقلم : سعد كيوان

سعد كيوان