كتاب وأراء

روح الزمان

لم أسمع باسمه وأكاد أجزم أن الكثيرين لم يسمعوا به مثلي، بيد أن الصفات التي ذكرها الكاتب «يوسف الشريف» عنه تجعله قريبا ومحببا للنفس لا كأديب وانما كإنسان، في زمن تشتاق فيه إلى لقاء إنسان، قصة «محمود شعبان» وهذا هو اسمه هي تطبيق للمثل القائل «الدنيا لا تعطي من يريد» ولما كان هو لا يريد، فقد أعطته الدنيا كل شيء، أصبح أديبا ولم يكن يريد ذلك، وحصل على الشهرة ولم يكن يسعى أليها، أصبح يملك المال ولم يكن في لهفة إليه. لقد أصبح ثريا عن طريق لم يتعمده، ففي الخمسينيات كتب قصة طويلة بعنوان «زهرة في الجزائر» ولم يلتفت إليها النقاد ولم يكتب عنها أحد، ولكن وزارة التربية والتعليم رأت أنها قصة جيدة وتستحق أن تعمم على طلبة الثانوية العامة، واشترت الوزارة حق طبع عدة ملايين من قصته، ليصبح ثريا خلال أربع سنوات فقط.. اشترى شعبان قطعة أرض صغيرة في قريته، وشيد بيتا جميلا في القاهرة، وأسطولا صغيرا من سيارات الأجرة، وصار له دخل محترم كفل له الاستقرار والسعادة، ولكنه لم يتغير، بل لم يغير عادة واحدة من عاداته، ولم يتنكر لصديق من أصدقاء الماضي، ولم يتخل عن صديق في محنة، ولم يتخل عن مساعدة صديق يحتاج لمساعدة، من هؤلاء الناقد «انور المعداوي» الذي فصل من عمله، ومع ذلك ظل يستلم راتبه كاملا كل شهر ولمدة ثلاث سنوات من صديقه محمود شعبان، ولم يعرف هذا السر سوى قلة من الناس وعن طريق الناقد نفسه، ولم يكن فضله مقصورا على تقديم العون المادي لمن ضاق به الحال، ولكن في شجاعته، ففي وقت بدأ فيه الاصدقاء يهربون من الناقد المغضوب عليه من الدولة ويتحاشون الظهور معه في الاماكن العامة، إذ كان المعداوي مراقبا من السلطة ولم يكن يخفي غضبه أو ثورته كلما ضيقوا عليه الخناق، ولكن شعبان لم يتخلف يوما عن زيارته في المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه، كما لم يتوان عن مد يد المساعدة للكثيرين سرا حتى من أساءوا اليه، وكان منهم مخرج إذاعي مرتش ومزعج تًسبب في ترك شعبان للاذاعة، لكنه ما ان علم بأن الرجل طرد من عمله حتى خصص له مبلغا من المال كل شهر، كما كان يزوره كل فترة محملا بالطيبات له ولأسرته، كما أنفق مبالغ كبيرة من ماله الخاص لطبع الإنتاج الأول لكًتاب ناشئين لا تعترف بهم دور النشر، ولا أحد يعلم كيف عرف أن صديقه «زكريا الحجاوي» مدينا بمبلغ كبير لبائعة ساندويتشات، مبلغ من الصعب سداده لرجل عاطل عن العمل وليس هناك بصيص أمل بأن يعمل مرة أخرى لأنه من المغضوب عليهم، فقام بتسديد المبلغ كاملا دون أن يطلب منه احد ذلك، كما انه لم يخبر أيا كان بما قام به كعادته..لا يتباهى..لا يعاير..لا يتبجح.. طيب لأنه طيب...كريم لأنه كريم.. شهم لانه شهم.. وأغرب ما في الامر ان هذا الشخص لم يكن له وجهة نظر محددة في السياسة، لكنه كان يقف إلى جانب كل مضطهد من أي اتجاه، ونادرا ما كنت تراه في لحظة صفوك، لكن المؤكد أنك ستراه إلى جانبك في لحظات الضيق.. إنه صديق يحلم به وبوجوده الجميع.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري