كتاب وأراء

فرز النخب عملية تحتاج إلى عملية

قد يحتاج الطبيب عندما تفشل عملية جراحية إلى التدخل من جديد لإجراء عملية ثانية يصحح بها أخطاء العملية الأولى. وشيء من هذا يحدث أيضاً في السياسة. لكن عمليات السياسة أصعب بكثير. فبينما تجري العمليات الطبية على أفراد كل على حدة، تجري العمليات السياسية على دول وتكتلات وأحياناً على العالم بأكمله. العمليات السياسية، مثل العولمة والإندماج والانتخابات، جمهورها واسع وجراحوها كثيرون وجراحها أكثر.
ومن العمليات السياسية الخطيرة واحدة تعرف «بالفرز النخبوي» ELITE RECRUITMENT يجري من خلالها اختيار القادة والمسؤولين والشخصيات العامة وصناع الرأي ونجوم المجتمع ورجال الدولة. بها تتكون النخبة فينضم إليها أناس ويستبعد منها أخرين.
وقد شهدت هذه العملية تدهوراً واضحاً في كثير من البلدان العربية على مدى سنوات. ظهر ساسة وبرلمانيون وإعلاميون وشخصيات عامة لا تخجل لا من لغتها ولا تصرفاتها. تجدهم يتطرقون لأعقد القضايا بلغة سوقية ركيكة. ولا يمكن بحال من الأحوال مقارنتهم بنخب القرن الماضي الذين كانوا برغم ما يقعون فيه من أخطاء يعرفون على الأقل أن يتكلموا ويعبروا. صرنا نرى إعلاميين يتقاضون ملايين مع أنهم بالمقارنة بالإعلاميين الرواد مجرد أقزام. ونسمع عن وزراء ومحافظين وولاة أقاليم ورؤساء مؤسسات عامة لا تؤهلهم مسلكياتهم ولا معارفهم للمناصب الرفيعة التي يتربعون عليها ومع هذا تنتقيهم عملية الفرز النخبوي مستبعدةً من هم أكفأ منهم وأجدر.
فما الخطأ الذي جرى؟ ولماذا جرى؟ وكيف يمكن ألا يجري مرةً أخرى؟ أما ما جرى فيتلخص في أن عملية الفرز النخبوي تعطلت وانحرفت فباتت تسند الأدوار العامة إلى من لا يستحقها وتوزع المواقع العامة على من ليس لديهم أهليتها. انحازت لذوي السجلات الضعيفة وأقصت ذوي القدرات الفذة. جاملت المتملقين على حساب الجادين ومكنت أهل الثقة مهما تدنت مهاراتهم على أهل الكفاءة مهما علت مواهبهم. لقد ضلت عملية الفرز النخبوي طريقها وأهملت رسالتها فصارت تعطي من لا يستحق بلا مراعاة لمعايير الأهلية والجدارة والمقدرة.
أما لماذا أخفقت بهذا الشكل فليس إلا لأن الاستبداد العربي لم يعد حمولاً كما كان من قبل. كان الاستبداد يحرص بالطبع في الماضي على السيطرة لكنه كان يهتم بجودة السيطرة ويهتم بتمكن المسيطرين. أما فرض السيطرة حالياً بالغوغائية وبالغوغائيين والسوقيين وأنصاف المتعلمين فهي من تجليات الاستبداد الحديث الذي يكره المبدعين حتى لو كان لدى بعضهم استعداد للتأقلم معه. لقد واصل الاستبداد الحديث استنزافه لمجموعات المبدعين والمجددين والجادين. نسفها وجرفها وجففها واستبدلها بأخرى من المشتاقين والوصوليين والمتوسمين قام بتشكيلها وتمكينها وتمرينها على يديه. هو الذي أسس لها المنابر وأدخلها البرلمانات ومكنها من القانون والإعلام. وكلما حاولت كل قوة نابضة في المجتمع أن تُعيد عملية الفرز النخبوي إلى مسارها الصحيح ردت عليها قوى الاستبداد الكامنة في مفاصل الدولة بسرعة بتمكين أوسع للموثوق فيهم على حساب الواثقين في أنفسهم.
وقد يحاجج البعض بأن الاستبداد ليس سبباً ويوردون في ذلك حجتين. الأولى أن أفضل الشخصيات العامة وأشهر رجال الدولة وقادة الرأي ظهروا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي عندما كان الاستبداد العربي في أوجه. والحجة الثانية أن عملية الفرز النخبوي تأتي حتى في الديمقراطيات نفسها بمن لا يستحق ومن لا يعرف ومن لا يجدر بما وصل إليه. والدليل الأبرز الذي يسوقونه فوز «دونالد ترامب» برئاسة أميركا وعلو كعب الشعبويين الغوغائيين في بعض الدول الأوروبية مؤخراً. والحجتان غير صحيحتين. فالأولى تتجاهل أن القامات الفكرية والسياسية المتميزة والشخصيات العامة الرفيعة التي لجأت إليها الدول العربية بعد أن استقلت إنما تكونت في فترات نسبية من الإنفتاح السياسي والليبرالية. والحجة الثانية بها بعض المنطق لأن عملية الفرز النخبوي في الديمقراطيات قد تتعطل وقد تُفرز قيادات ضعيفة نزقة. لكن يبقى أن الديمقراطيات لديها معارضة صلبة لا يجري قمعها أو منعها وأصوات ناقدة لا تهمش أو تخون أو ترمى في السجون والأهم أن لديها آليات وعمليات تصحح أية أخطاء تقع. فلو أخطأت عملية الفرز النخبوي تدخلت عملية الانتخابات لتعيدها من جديد إلى جادة الطريق باختيار نخبة جديدة وفق معايير أعلى وأكفأ.
وهذا ربما هو المطلوب. عملية إصلاح طويلة وعميقة تعالج فشل عملية الفرز النخبوي. فليس مطلوباً في منطقة كمنطقتنا ثورات لأنها، كما سجل العلامة الفذ عبد الرحمن الكواكبي، تختلط دائماً بهرج ومرج وتفتح الباب من بعد وقوعها أمام بدائل أسوأ وخيارات أقل جودة. أما الإصلاح فيبقى برغم صعوبته وطول مدته أفضل خيار لإعادة عملية الفرز النخبوي إلى وظيفتها علها تقدم نخباً جديرة بتطلعات الرأي العام وتفهم مسؤولياتها في الارتقاء بالذوق العام.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات