كتاب وأراء

صمت الاصدقاء

في المحن والشدائد يعرف الناس أحباءهم واصدقاءهم الحقيقيين،في المحن تظهر الوجوه على حقيقتها وتسقط الاقنعة،في أوقات الشدة تعرف من يحبك ويٌخلص لك الود ومن كان يمثل ويتظاهر بذلك،حين قامت ثورة يوليو في مصر صادر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كل ممتلكات الاثرياء دون تمييز،من تعب ومن لم يتعب،وكان عدد الذين كونوا ثرواتهم بالعرق والجهد يفوق عدد من اغتنوا بطرق غير مشروعة،تساوى الجميع في الظلم.. وكان من نتائج هذا القانون ظهور طبقة جديدة من الاثرياء الذين أثروا من الثروات المصادرة.ومن بين من تضرروا بهذه القرارات الجائرة كما جاء في كتاب الكاتب مصطفى عبيد «سيدة مصر» زينب الوكيل،زوجة السياسي المعروف مصطفى النحاس،التي أضطرت لبيع أثاث منزلها وحليها بعد مصادرة كل املاكها التي ورثتها عن والدتها ووالدها لتنفق على زوجها المريض وعلى نفسها، ولت أيام المجد والنفوذ والعز،وولت معها الزيارات والصداقات، اما الموقف الذي أوجع زينب الوكيل أكثر من غيره فهو موقف السيدة «أم كلثوم»التي كانت تتودد كثيرا لزينب،وتزورها أسبوعيا عندما كان زوجها النحاس زعيم الأمة ورئيس الحكومة،بل أنها كانت تغني في منزلها كلما كانت هناك حفلة،ولم تمر شهور قليلة من قيام حركة الضباط حتى قابلت زينب الوكيل أم كلثوم مصادفة في مركب استقلته زينب للسفر إلى أوروبا للعلاج،وأقبلت عليها زينب مبتسمة فاتحة ذراعيها لتحضنها،لكنها فوجئت بأم كلثوم ُتدير ظهرها بسرعة وتسير أمامها هاربة،ولم تحتمل زينب الموقف فدخلت حجرتها لتبكي بحرارة شديدة،وسعى شقيقها الذي كان يرافقها إلى تهدئتها،لكنها كانت أشبه بمن ذبح بسكين حادة،لقد كانت تعتقد أن المحبة التي تكنها لام كلثوم لها ما يقابلها في قلب سيدة الغناء،وأن الصداقة لا علاقة لها بتقلبات السياسة،وطبقٍاً لشهادة أفراد أسرتها الذين شهدوا الواقعة أن ام كلثوم حاولت بعد ذلك الاعتذار عما بدر منها،مبررة تصرفها بخشيتها من وجود ضباط على المركب قد يكتبون فيها تقريرا يضر بها،الا ان زينب لم تقبل ذلك الاعتذار واعتبرت ما حدث غير قابل للغفران،وفي اواخر الاربعينات تعرض «السادات» للطرد من الجيش،وجاع وتشرد واضطر للاختفاء عن العيون بعد هروبه من السجن أثر اغتيال وزير المالية أمين عثمان في منزل رائد الفن الشعبي «زكريا الحجاوي» وطوال محنته التي استمرت لسنوات وقف الحجاوي إلى جانبه بكل قوة ونبل،ولم يكن في تلك الفترة طامعا في مقابل،اذا لم يكن السادات آنذاك رجلا ذا شأن،ولم تكن هناك أية بوادر تشي بغير ذلك،وكانت مساندة الحجاوي خالصة لوجه الله وللصداقة،وعندما قامت الثورة ظهرت الحاجة إلى وجود جريدة تشرح وتدافع عنها،وتم تعيين السادات للاشراف على هذه الجريدة الوليدة،فكان ان استعان برجل لديه خبرة وعلاقات وثقة «الحجاوي» الذي لم يبخل بالوقت والجهد لانجاح هذا المشروع،وبفضل جهوده انضم إلى جريدة الجمهورية عدد من اكفأ الصحفيين أصحاب الخبرة الفنية العالية،وفجأة وقبل صدور العدد الأول بحوالي أسبوع ودون مقدمات وجد الحجاوي قرارا معلقا على لوحة الاستعلامات في مدخل الجريدة موقع باسم انور السادات مضمونه ايقافه عن العمل ومنعه من دخول المبنى،لقد تحولت حياته بعد هذه الصدمة التي لم يكن يتوقعها تحولا تاما،فلم يعد للصحافة بعدها وان لم يتوقف عن الكتابة للمسرح والاذاعة والبحث عن المواهب الفنية في جميع أرجاء مصر،وفيما بعد حين تولى السادات الحكم وظهر كتابه البحث عن الذات لم يشر ولو مجرد اشارة عابرة للفترة التي قضاها في ضيافة الحجاوي، كما لم يقف إلى جانبه حين تعرض للفصل من وزارة الثقافة وانهيار المنزل الذي تقع فيه شقته،بحيث لم يجد هذا الرجل الذي قدم للفن الكثير حلا لكل أزماته النفسية والمادية سوى الرحيل،وفي قطر عاش ما تبقى من حياته قبل ان يعود ملفوفا بكفن..عندها تذكره صديقه القديم وأمر باقامة حفل لتكريمه، واعترف ولاول مرة وعلانية بشهامة وشجاعة وصداقة زكريا الحجاوي،واطلق عليه «فنان الشعب» وكأن هذا اللقب والتكريم المتأخر يكفي....في النهاية نحن لا نتذكر كلمات أعدائنا كما قال «مارتن لوثر كنغ» ولكن صمت أصدقائنا.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري