كتاب وأراء

داعش في لندن والعالم في سوريا والعراق

لم تخفف هجمات داعش في عواصم كبرى ومدن غربية من حدة الهجوم الذي يستهدف ضرب مواقع تمركزها والسعي لتصفيتها. لقد خلقت الدولة الإسلامية بسياساتها ما يكفي لحشد الكرة الارضية برمتها، فداعش بسلوكياتها تهدي أعداء العرب والمسلمين الهدية تلو الأخرى وتحول الكثير من القوى المحايدة لصف العداء، وهذا بدوره يجعل كل سلوك عنصري تجاه العرب والمسلمين يزداد قوة وزخما. إن الاستمرار بهذا النمط من العنف الذي يتوجه للأبرياء والمارة وعابري السبيل في مدن معظم سكانها ليسوا بالأساس من سكان البلاد الأصليين يخدم أهداف كل من يسعى لضرب الوجود العربي والإسلامي في العالم.
ويبدو أن أحد تفسيرات قيام داعش بتوجيه ضربات في كل مكان هو إيمانها بغيبية النصر، وأنها ستنتصر ان نجحت في جلب أعدائها كلهم لسوريا والعراق حيث معركة المصير. هذه الغيبية القائمة على نبوءات فيها الكثير من الخيال تتحول للمدخل الذي يصب لصالح صناعة عالمية ومؤسسات كبرى مهمتها الاساسية التحريض على المسلمين بصفتهم العدو الجديد للحضارة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وهذا يصب بلا مواربة لمصلحة المشروع الصهيوني في فلسطين. ان غياب العدالة في كل من سوريا والعراق ووجود ديكتاتورية كتلك التي يمارسها الاسد، بالإضافة لسلوك الولايات المتحدة ثم إيران في زمن ما بعد غزو العراق في 2003 ساهم بقوة في نشوء هذا التنظيم.
ولو دققنا في تجارب حركات تحرر مختلفة مارست العنف من أوسع أبوابه، لوجدنا فوارق كبيرة. فجبهة التحرير الجزائرية في خسمينيات القرن العشرين كما والفيتكونغ الفيتناميين في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين لم يقوموا بأي عمل مسلح على الارض الفرنسية أو الأميركية. لكن موت الكثير من الجنود الفرنسيين والاميركيين في كل من الجزائر وفيتنام خلق حراكا شعبيا وسياسيا يدعو للانسحاب والخروج. بهذه الطريقة انتصرت الجزائر ثم فيتنام. لكن لو قام أي من عناصر جبهة تحرير الجزائر والفيتكونغ في فيتنام بأعمال في الأرض الفرنسية والاميركية لاختلف الأمر، ولما برزت في الشارع الغربي، حيث الرأي العام المؤثر الذي أدى لنشوء حركات داعية بقوة للانسحاب. لقد انتصرت كل من الجزائر وفيتنام بفضل عناصر كثيرة لكن من أهمها الرأي العام العالمي والتكتيك الصائب المستخدم من قبل الفيتكونغ وجبهة التحرير الجزائرية
لكن الغرب من جانبه يحارب داعش دون طرح بدائل إنسانية ودون النظر للحل الديمقراطي وقيمته لشعوب المنطقة. إن الحرب التي لا تتساءل عن حقوق الإنسان، والتي تزداد انتشارا في زمن ترامب لن تتوقف في المدى القريب. لهذا ستبقى دائرة الموت والكراهية في حالة تأكسد لحين اكتشاف طرق جديدة ثالثة ورابعة. يكفي ان نعرف بأن ألوف المدنيين قتلوا في الموصل تحت الأنقاض. من سيتحمل هذه المسؤولية، وما هو أثر كل ذلك على مقاتلي الغد؟
ان تكتيكات الولايات المتحدة هي الأخرى أرادت أن يحتشد في سوريا والعراق كل هذا العدد من المتطرفين، وسعت لان تقع حروب استنزاف وإنهاك تدمر القوى المشتبكة بما فيها إيران. لكن ما لا تعيه الاستراتيجية الاميركية أن هذه الحروب تخلق حروبا أخرى، كما وتمهد لصراعات أكثر صعوبة، وان المظالم التي تقع في هذه الحروب ستكون لها آثار بعيدة الأمد على الاقليم وسكانه كما وعلى العالم. فمن الفراغات التي تخلقها هذه الحروب ستنشأ قوى جديدة في العراق وسوريا اكثر وعيا بمتطلبات وشروط التغير والعدالة.
«الجهادية» بجنون أعمالها وبشكلها الراهن لن تنتهي من خلال نشر البؤس والموت، لكنها ستنتهي بمجرد قيام رؤى وسلوكيات من أطراف شعبية تقاوم الظلم لكنها تضع برنامجا واضحا للوصول لحالة من العدالة في كل من سوريا والعراق، فحتى الآن إيران وروسيا في كل من سوريا والعراق تشنان الحرب ضد قطاعات أساسية من المجتمعات العربية. وبينما تزداد دائرة الكراهية انتشارا، إلا أن الفصل الأخير لواقع الإقليم وتناقضاته وحروبه لم يكتب بعد. فكما برزت داعش غير العقلانية، ستبرز في ظل الظلم حركات أكثر تنظيما وفهما لمتطلبات الانتقال نحو الدولة العادلة والديمقراطية.

بقلم : د. شفيق ناظم الغبرا

د. شفيق ناظم الغبرا