كتاب وأراء

عباس العقاد.. مفكر باع نفسه

عاش العقاد سنوات طويلة في الحياة السياسية وارتفع نجمه ككاتب سياسي تفرد له الصحف صفحاتها وينتظر القراء مقالاته، ورفعته السياسة من قاع الفقر بعد أن عاش سنوات يعاني حتى أنه اضطر إلى بيع كتبه لكي يدبر تكلفة الطعام والعلاج، وتغير حاله بعد أن عمل محررا في صحيفة الدستور وسنحت له فرصة ليجري أول حديث صحفي مع سعد زغلول وكان وقتئذ وزيرا للمعارف.

ونشر الحديث في يوم 12 مايو 1908 وصار هذا التاريخ مهما بالنسبة له لأنه غير مجرى حياته، فقد بدأت بعده علاقة قوية بينه وبين سعد زغلول فقد رأى فيه سعد كاتبا واعدا يمكن أن يكون الذراع الإعلامية التي تنشر أفكاره وتسهم في صنع شعبيته وذلك بعد أن كتب العقاد «عرفت سعدا رجلا مهيب الطلعة،

فصيح العبارة، يملأ السامعين والناظرين قوة... الخ»، وكان هذا الحديث مهما بالنسبة لسعد لأن صحف الحزب الوطني كانت تهاجمه وتتهمه بأنه ينفذ سياسة الاحتلال البريطاني في التعليم، فكان هذا الحديث بداية لحملة دفاع قوية عن سعد وسياسته في التعليم. وقد تأثر العقاد كثيرا بشخصية سعد زغلول بعكس طه حسين الذي كان يهاجم سعد زغلول وكان سعد زغلول هو الآخر يهاجم طه حسين خصوصا بعد نشر كتابه عن الشعر الجاهلي.

وفي رأي الدكتور محمد صابر عرب أستاذ التاريخ أن العقاد تجاوز الموضوعية في انحيازه لسعد وبعض المواقف التي كان العقاد متحمسا للدفاع عنها تراجع عنها سعد واعترف بخطئه، من ذلك ما قاله في مذكراته «أعترف بأني وأنا وزير قد عملت عملا لو عرض عليَّ اليوم لكنت أول المعارضين له. فقد عرض عليَّ قانون المطبوعات فعارضت فيه أولا ثم وافقت عليه واشتركت في تطبيقه لظروف بررتها أمام نفسي وها أنا اليوم نادم على ما فعلت».

وهكذا كان العقاد يدافع عن كل ما يقوله سعد زغلول وكل ما يفعله وله كتاب ضخم عن سعد زغلول بالغ في المدح حتى أخرجه من مصاف البشر ولم يتناول أي موقف تجاوز فيه بل قال إن سعد «هرم كبير وكل من حوله أقزام» ولهذا كان سعد زغلول يتعامل معه بخصوصية شديدة وأطلق عليه لقب «الكاتب الجبار» ولقب «كاتب الشعب الأول» ولأن العقاد كان يكتب مقالاته بلغة بسيطة سهلة أقرب إلى الكتابة الشعبية، كانت تنتشر بين قطاع عريض من القراء، وفي نفس الوقت أثبت العقاد أن لديه قدرة كبيرة على التحليل السياسي والإلمام بتفاصيل القضايا التي يكتب عنها لقربه من سعد زغلول وفي رأي الدكتور صابر عرب أن قلم العقاد كان له أكبر الأثر في دفع الجماهير إلى الالتفاف حول سعد حتى في مواقفه المتناقضة فقد هاجم سعد لجنة ملنر فهاجمها العقاد فلما تعاون معها عاد العقاد لتأييد هذا التحول.

كان العقاد كاتب حزب الوفد الأول والمدافع القوي عن سعد زغلول بينما كان طه حسين الكاتب الأول لحزب الأحرار الدستوريين والمهاجم القوي لسعد زغلول، ولهذا هاجم العقاد طه حسين كما هاجم كبار المفكرين المعارضين لسعد مثل الدكتور محمد حسين هيكل صاحب كتاب حياة محمد.

لكن العقاد انقلب على حزب الوفد بعد وفاة سعد زغلول وتولي مصطفى النحاس زعامة الحزب لأن النحاس تعامل مع العقاد على أنه تابع وعليه أن يؤيد كل ما يقوله النحاس، ويذكر أن النحاس قال له: أنا زعيم الأمة فقال له العقاد: أنت زعيم لأن هؤلاء انتخبوك ولكني زعيم بالأمر الإلهي، وخرج ليعلن انفصاله عن الوفد، وبعد ذلك جند الوفد كل إمكاناته للإجهاز على العقاد إلى حد اتهامه بالإلحاد والعمالة والخيانة وكذلك كان العقاد يكتب متهما النحاس في ذمته المالية وثرائه بأموال الشعب، ويكتب مقالات مليئة بالسخرية من النحاس وزعماء الوفد حتى أن مكرم عبيد كتب مرة أن الزعامة تطورت إلى زعيم هو النحاس فكتب العقاد في «روزاليوسف» يقول إن مكرم أعلن أن النحاس هو الطور الأخير وبسبب هذا المقال حارب الوفد صحيفة روزاليوسف.

وإن كان العقاد قد كسب بالسياسة إلا أنه خسر بسببها كثيرا وهذا ما جعله ينصرف عن الكتابة السياسية ويتفرغ لكتابة سلسلة العبقريات وسلاسل الكتب والمقالات الأدبية.

بقلم : رجب البنا

رجب البنا