كتاب وأراء

تفاقم الأزمة الاقتصادية .. الـشــارع اللبنانـي يتـحـرك

مع استمرار السجال حول قانون الانتخاب في لبنان، وفي ظل عدم التوصل إلى قانون جديد للانتخابات، مع أن جميع الأفرقاء يدركون بأنه لم يعد بالإمكان إجراء تمديد جديد لمجلس النواب ولا حصول الانتخاب على أساس قانون الستين، وأن المهلة الدستورية الأخيرة لتوقيع رئيس الجمهورية مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، قد انتهت، ولم يوقع المرسوم.
في ظل هذا الواقع تفجرت أزمة من الأزمات التي يعاني منها اللبنانيون، وهي الأزمة الاجتماعية، حيث نزل الآلاف من المواطنين إلى ساحة رياض الصلح، في وسط بيروت، على خلفية النقاشات التي شهدها مجلس النواب بشأن الضرائب التي سيجري فرضها لتأمين الأموال اللازمة لتغطية سلسلة الرتب والرواتب، التي يقر الجميع بضرورة إقرارها باعتبارها حقاً مستحقاً، لقطاع واسع من الموظفين في الدولة، كان يجب إقراره منذ سنوات طويلة. على أن أسباب مباشرة، وأخرى غير مباشرة تقف وراء هذا الاستنفار الشعبي، من الفئات الشعبية المتوسطة والمحدودة الدخل والفقيرة، بالمسارعة إلى التظاهر في ساحة رياض الصلح قرب مبنى مجلس الوزراء والبرلمان.
أولاً: الأسباب المباشرة:
توارد المعلومات من داخل مجلس النواب تفيد بأنه تم الاتفاق على فرض سلسلة من الضرائب غير المباشرة تطال الفئات الشعبية والمحدودة الدخل والفقيرة، وتشمل رفع الضرائب على البنزين، المازوت، والخبز، وضريبة الدخل، إلى جانب رفع الضريبة على القيمة المضافة من 10 بالمائة إلى 11 بالمائة.
ثانياً: أما الأسباب غير المباشرة:
فتكمن في أن اللبنانيين باتوا في وضع اقتصادي واجتماعي لا يحتمل زيادة أية أعباء جديدة على كاهلهم، نتيجة اشتداد الأزمة في البلاد، النابعة من تحويل لبنان إلى جنة ضريبية، والقائمة على عدم فرض ضرائب على المستثمرين في شركة سوليدير العقارية في وسط بيروت، والأرباح العقارية والمصارف، وكبار المودعين في سندات الخزينة وشاغلي الأملاك البحرية والنهرية، وجعل النظام الضريبي يتركز على تحصيل الضرائب من عامة الناس، وبالتالي المساواة بين الغني والفقير، من خلال فرض الضرائب غير المباشرة على السلع الأساسية، وفي الدرجة الأولى البنزين وضريبة القيمة المضافة، مما أدى إلى مفاقمة الأزمة والتسبب في زيادة حدة التفاوت الاجتماعي، وتوفير البيئة المواتية لأصحاب الثروات لجني المزيد من الأرباح من دون أن يدفعوا الضرائب للدولة. وما زاد الأمور سوءاً انتشار وباء الفساد في دوائر الدولة، والذي تجسد في الصفقات المشبوهة، وعقود التراضي وإنفاق الأموال الطائلة ( 11 مليارا)، من دون سجلات تظهر كيف أنفقت، في زمن حكومة رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة.
على أن الأزمة سجلت تفاقماً كبيراً، في السنوات التي تلت انفجار الأزمة السياسية والوطنية عام 2005، حيث تردت الخدمات العامة، وارتفع حجم الدين العام ليصل حسب أخر تقديرات إلى 75 مليار دولار.
في ظل هذا الواقع المتردي باتت أي ضريبة تفرض، حتى ولو كانت زهيدة ستؤدي إلى انفجار الأزمة في الشارع، الذي تتكاثر فيه تحركات العديد القطاعات التي تطالب بحقوقها وإنصافها.
وكان يكفي أن تطلق دعوة للتظاهر حتى يلبي الناس الدعوة وينزلون إلى الشارع للتعبير عن غضبهم ورفضهم أي زيادات ضريبية تطالهم في لقمة عيشهم.
ثالثاً: النتائج
على أن الاستنفار الشعبي والتلبية السريعة في النزول إلى الشارع قرع جرس الإنذار في أوساط الطبقة الحاكمة، وكشف عن وجود خطة تقف وراءها القطاعات الريعية التي لا تريد فرض ضرائب عليها، وتهدف هذه الخطة إلى تطيير السلسلة عبر تسريب مقصود لقائمة الضرائب غير المباشرة التي قيل أنها ستفرض بهدف استفزاز الشارع ودفعه للتظاهر وبالتالي تأجيل إقرار سلسلة الرتب والرواتب، تماماً كما جرى في عام 2014 عندما تم الاتفاق على إقرار السلسلة وتأمين الموارد الضريبية لها، وفي آخر لحظة تم تأجيل الأمر بعد أن فاجأ وزير الدفاع السابق سمير مقبل النواب بطرح فصل سلسلة العسكريين عن سلسلة المدنيين.
وقد كشف عن وجود مثل هذه الخطة المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، وبيان رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومواقف أخرى لبعض النواب الذين نفوا أن يكون هناك اتفاق تم على فرض ضرائب تطال الطبقات الشعبية والفقيرة.
وبغض النظر عما إذا كانت القائمة المسربة ملفقة أم صحيحة، فإن تحرك الشارع بهذه السرعة قد أسهم في إحباط أي محاولة لتمرير فرض ضرائب جديدة غير مباشرة، حتى ولو كانت محدودة، وجعل البرلمان أمام خيار وحيد وهو إقرار السلسلة، وتوفير التغطية لها من خلال ضرائب تفرض على القطاعات الريعية التي تجني الأرباح الطائلة، والتي كان أخرها تحقيق المصارف ربحاً قدر بأكثر من خمسة مليارات دولار من الهندسة المالية التي أقدم عليها حاكم مصرف لبنان وخص بها بعض البنوك الكبرى للاكتتاب بسندات خزينة مقابل فائدة تصل إلى 30%، أو يتم تأجيل اجتماع البرلمان وتطيير السلسلة، كما حصل عام 2014، استجابة لضغط أرباب المصارف والعقارات.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي