كتاب وأراء

ثلاث طرق للتوصل إلى الإيمان

كان للعقاد مفهوم للإيمان يتجلى فيه اليقين بعد تعمق في البحث عن معنى الحياة والوجود وعن حقيقة الكون والإنسان وعن مصير الإنسان بعد الموت وقد توصل إلى الإيمان بالله بثلاث طرق قادته إلى الثقة واليقين، الطريق الأول هو «الوراثة» والطريق الثاني هو «الشعور» والطريق الثالث هو العقل والتأمل والتفكير الطويل.

وعن الوراثة فإنه يرجعها إلى أبيه وأمه وأخواله أما أبوه فقد كان يراه يستيقظ قبل الفجر ليقضي وقته في الدعاء وقراءة القرآن وبعض الأوراد ولا يزال على مصلاه إلى ما بعد طلوع الشمس. وكذلك كانت أمه فقد رآها وهي في شبابها تؤدي الصلوات في وقتها، وتصوم في غير رمضان وفي رمضان وتطعم المساكين وتعلم أبناءها العطف على الفقراء وفي بيت أخواله رأى حلقات الدرس في الفقه والتفسير وقراءة الكتب الدينية والأحاديث النبوية والبحث عن معنى الكلمات ومقاصد الشريعة.. فكانت هذه العوامل بمثابة «البذرة» التي غرست الإيمان الذي تلقاه ممن حوله ومنذ الطفولة المبكرة.

وأما الإيمان بالشعور فيرجعه إلى أنه ولد وفيه مزاج الإيمان ومزاج الأدب والفن وهما يلتقيان في إيقاظ الحس والتصور والشعور بالغيب ويوقظان النزعة إلى السمو والارتقاء والاتصال بما فوق المادة وما بعد المنظور والمحسوس.

وأما الإيمان بالعقل والتفكير الطويل فيرجعه إلى قراءاته وتعمقه في معرفة آراء الفلاسفة والعلماء والمفكرين من مختلف المذاهب وقاده ذلك إلى أن تفسير خلق الإنسان والعالم بكل ما فيه من بشر وحيوان ونبات وفضاء لا نهائي تسبح فيه آلاف المجرات.

أما في مجال «الأخلاق» فإن إيمان العقاد قائم على أن الإنسان يعمل الخير ويسعى إليه دون انتظار جزاء من غيره من البشر، ولكنه حين يستجيب لدواعي الأخلاق فإنه لا يبحث عن منفعة أو عن دفع ضرر ولكنه يسعى إلى السمو وإلى الكمال وإلى إرضاء الجانب الراقي في أعماقه وهو الضمير الذي يدعو إلى الخير ويشعر بالرضا عن النفس حين يفعل الإنسان الخير بصرف النظر عن أن ذلك قد يحقق منفعة أو يدفع ضررا ولكنه يتجه إلى فعل الخير مدفوعا بقوة داخله هي الضمير ورضا الخالق.

ويضرب على ذلك مثالا بالطفل يتجرع الدواء بالحيلة والإغراء وحين يكبر يتجرع الدواء باختياره ويبحث عنه ويدفع أجرا لمن يرشده إلى الدواء، مع أن طعم الدواء لم يتغير ولكن تغير الشعور بالواجب وتغير الفهم لمعنى «الكمال» في الجسم وبالأخلاق يسعى الإنسان إلى الكمال في مجال الضمير والإيمان.

وفي عالم الأخلاق فإن شعور الإنسان بالرضا والسعادة هو غاية ما تصبو إليه النفس مع الفعل الأخلاقي.

هكذا أسس العقاد نظرية في الإيمان نابعة من عقل الإنسان وضميره وشعوره ومن تعمقه في النظر إلى الكون والكائنات وإلى نفسه وما في كل ذلك من معجزات الخالق سبحانه وتعالى.



بقلم : رجب البنا

رجب البنا