كتاب وأراء

في سباق التحدي.. ربـحـت تركـيـا وخسـرت أوروبـا


على مدى أكثر من عامين تصاعدت الخلافات بين تركيا وعدة دول أوروبية بفعل مشكلات شتى مثل اللاجئين، والانقلاب الفاشل، والأزمة السورية.
ومع أن الطرفين الأوروبي والتركي استطاعا في مناسبات عدة احتواء ما طرأ من تداعيات لهذه المشكلات، إلا أن جذور الخلافات حولها ظلت قائمة.
وأما الطبعة الأخيرة من الخلافات المرتبطة بتأثير التطورات السياسية في كل منهما، فقد فاقت حدة ما سبقها، حيث لم تجد محاولات الاحتواء نفعاً هذه المرة، مما كشف أن أصل الداء يكمن في المخاطر العامة التي تهدد المستقبل السياسي للقارة العجوز.
بداية المشكلة التي فجرت الأزمة الأخيرة جاءت مع منع هولندا وزيرة شؤون الأسرة التركية، فاطمة بتول صايان، من الوصول إلى قنصلية بلدها في مدينة نوتردام للحديث مع أبناء بلدها عن أهمية التصويت لصالح التعديلات الدستورية في الاستفتاء المقرر إجراؤه في شهر أبريل المقبل، وتزامن مع ذلك منع هولندا التصريح لهبوط طائرة وزير الخارجية التركي مولود أوغلو للقيام بالمهمة نفسها، وتصرفت ألمانيا التصرف نفسه مع الوزير التركي. وتضامنت دول أوروبية أخرى مثل النمسا وسويسرا مع الموقفين الهولندي والألماني، فقط فرنسا هي التي سمحت بلقاء الوزير التركي مع الجالية التركية في بلادها.
كان من الممكن أن يمر الموقف كله بسلام في حالة افتراض أن كلاً من الطرفين التركي والأوروبي يتفهم موقف الآخر ويقدر التبعات السيئة التي تترتب على التصلب والعناد، ولكن ردود الفعل الساخنة للغاية والتي وصلت إلى حد الشتائم بين طرفين من المفترض أنهما صديقان متحابان (تركيا تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي)، كشف عن عمق الخلافات التي تصل إلى حد الاستقطاب المصحوب بالتلاسن، وبات ما جرى نوعاً من سباقات التحدي.
ما حدث في الحقيقة أكبر من كونه أمراً يتعلق بالتجاذب المتبادل حول تأثير الانتخابات الأوروبية أو الاستفتاء التركي؛ فالخلاف الأخير ما هو إلا قمة جبل الثلج، بينما ما يجري تحته من تفاعلات هو المصدر الرئيس الذي من خلاله يمكن فهم التحول الصارخ في العلاقات التركية الأوروبية. وترتبط هذه التفاعلات بقضيتين أساسيتين هما، أولاً: الشد والجذب القائم حول بقاء أوروبا موحدة أو انحرافها نحو التفكك، وثانياً: التراجع الملحوظ في مدى حفاظ القارة العجوز على قيمها السياسية التي صنعت نهضتها، وفي المقدمة منها القيم المتعلقة بالحريات السياسية والاقتصادية.
وتطبيقاً لذلك على وقائع ما جرى فإن تركيا لم ترتكب جرماً حتى يصل الخلاف إلى ما وصل إليه، بينما المسؤولية تقع على كاهل أوروبا انعكاساً لما تعانيه من مظاهر للتفكك ومن ردة عن القيم الديمقراطية؛ فالملاحظ منذ قرار بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي باتت بقية دول القارة تعيش هاجس انسحاب دول أخرى. وقد كان بإمكان الدول الأوروبية المعنية بالأزمة الأخيرة أن تمرر المطالب التركية إذا كانت حريصة حقاً على درء المشكلات التي تهدد الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أن عضوية تركيا لاتزال مطروحة، ولكن الأحزاب اليمينية المعتدلة الحاكمة رأت أن الرضوخ لهذه المطالب يظهرها أمام القوى اليمينية المتطرفة بمظهر الضعيف ويعطى ذريعة لهذه القوى تعزز نفوذها السياسي.
من جهة أخرى فإن الموقف الأوروبي من الأزمة الأخيرة لم يكن موحداً تماماً في الحقيقة، فالمعروف أن فرنسا سمحت لوزير الخارجية التركي بلقاء الجالية التركية في شرق البلاد، كما أن دولة مثل إيطاليا اتخذت موقفاً محايداً وحرصت على دعوة الأطراف إلى تجاوز خلافاتها.
بناءً على ما سبق، فإنه بحسابات المكسب والخسارة، خرجت تركيا من سباق التحدي الجديد رابحة؛ لأنه أدى إلى تعزيز سياساتها الداخلية الجديدة وزاد من لحمتها الوطنية، بينما خرجت أوروبا خاسرة؛ لأنه سباق كشف عوراتها المعاصرة من حيث تفكك روابط الاتحاد الأوروبي والانقسامات التي باتت تضرب استقرار أنظمتها السياسية وفقدان المصداقية في مدى ما ترفعه من شعارات تتعلق بالحريات السياسية والاقتصادية.
بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد