كتاب وأراء

ظاهرة العولمة وأزمات الهوية

ينطلق «هنتنغتون» في كتابه «أميركا: الأنا والآخر: من نحن؟ الجدل الكبير» من الإقرار بأن أزمات الهوية قد أصبحت ظاهرة كونية، رغم الاختلاف من حيث الشكل والجوهر والحدة.
لذلك يعتبر أن تعريف من هو الشعب؟ أمر غير قابل للالتفاف، والجواب ضروري سواء كان نتيجة لتقليد عريق وراسخ، أو حصيلة حرب أو غزو، أو خلاصة لاستفتاء أو صياغة دستورية، أو غير ذلك.. والمؤكد أن جدل الهوية كثيراً ما يطفو للسطح في حالة التحولات الكبرى للمجتمعات والشعوب والدول.
ضمن هذه الخلفية، يحضر اليوم، في العالم الغربي، خطاب الهوية في خطابات غالبية السياسيين، بعد أن كان قبل سنوات حكرا على اليمين المتطرف داخل بلدان الديمقراطية الليبرالية، حيث المجتمعات تعيش لحظة انكماش حول الذات وتصاعد لحالة خوف مرضي من الآخر المختلف في العقيدة أو الثقافة.
ولذلك كان من الطبيعي أن يبرز سؤال الهوية كأثر مُباشر للثورات العربية، وأن تطرح الشعوب السؤال الصَّعب والخطير والضروري: «من نحن؟» وأن تتنافس الادعاءات الهوياتية في تقديم مشاريع الأجوبة، ما من شأنه أن يُضاعف الإشكالية ليُحولها من أزمة هوية إلى أزمة خطابات حول الهوية.
إن الهوية هي مجموعة السمات الثقافية التي تمثل الحد الأدنى المشترك بين جميع الذين ينتمون إليها، والتي تجعلهم يعرفون ويتميزون بصفاتهم تلك عما سواهم من أفراد الأمم والجماعات الأخرى. وقد تتطور الهوية بالانفتاح على الغير، وقد تنكمش، تتحدد أو تتقلص، تنحصر أو تنتشر، لكنها دون أدنى شك، كما يوضح الباحثون، تغتني بتجارب المجتمعات ومعاناتهم وأحلامها وآمالها وتتأثر سلباً وإيجاباً بالعلاقة مع المحيط والخارج.
لذلك فالهوية ليست معطى جاهزاً ونهائياً، إنما هي عمل يجب إكماله دائماً، فالتغيير هو الذي يطبع الهوية وليس الثبات، والتفاعل وليس الانعزال.
فالهوية ليست وعياً بماهية خالصة، جوهرية، ميتافيزيقية ومطلقة، بل هي نتاج سيرورة تاريخية من التحول والتجدد وإعادة التعريف وتغيير دوائر الانتماء والتطور المستمر.
إن خطورة الخطابات الحادة والمبسطة حول الهوية، تتجلى في القابلية للانزياح للمنطق الحربي وللثنائيات الحادة ولتبرير الإقصاء والتفوق والتراتبية والكراهية والعنصرية، على نحو ما يسميه «أمين معلوف» بالهويات القاتلة.
الواقع، أن ما يقع اليوم، من عودة للأيديولوجيات الوطنية، ومن تصاعد مشهدي لانكماش المجتمعات داخل حدودها الجغرافية والثقافية والدينية، لاشك أنه يؤشر كذلك لنهاية الكثير من الأوهام المحمولة منذ سنين على حقبة «العولمة»، التي انطلقت مبشرة بالقرية الصغيرة القادرة على هزم ثقافة الانغلاق والتقوقع، فإذا بها تنتهي إلى جيل من السياسيين الممجدين للحدود والهويات.

بقلم : حسن طارق

حسن طارق