كتاب وأراء

منهم نتعلم

نشر الكاتب الأميركي «هنري ميللر» في عيد ميلاده الثمانين كتابا صغيرا ضمنه خلاصة تجاربه في الحياة قال فيه: «يومًا بعد يوم يقترب الموت من أصدقائك ومن أعظم الأشخاص الذين اكتشفتهم. كلما كبرت في العمر كلما ازدادت سرعة موتهم. وأخيرًا ستجد نفسك وحيدًا. تراقب أبناءك.. أحفادك... يرتكبون الأخطاء الغبية ذاتها، أخطاء تمزّق القلب غالبًا، والتي ارتكبتها بالطريقة ذاتها عندما كنت في عمرهم. ولا يوجد أي شيء يمكنك قوله أو فعله لمنعهم منها. وبمراقبتك لهم، بالتأكيد، تفهم أخيرًا إلى أي درجة كنت أحمق في السابق- وربما مازلت أحمق حتى الآن.
شيء واحد أصبحت متأكدًا منه الآن شخصيات البشر الأساسية لا تتغير مع مرور السنوات.
الحياة تجبرنا على تعلّم بعض الدروس، لكن لا تجبرنا بالضرورة على أن ننضج. وكذلك الأمر بالنسبة للعالم، ليس أنني لا أعتقد أنه لم يتحسّن وحسب، بل أعتقد أنه أصبح أكثر سوءًا بآلاف المرات مما كان عليه عندما كنت طفلًا. وكما أعلنها كاتب شهير ذات مرة: «الماضي يبدو شنيعًا بالنسبة لي، الحاضر رماديّ ومُقفر، أما المستقبل فمروّع تمامًا». لحسن الحظ، لا أشاركه هذه الرؤية الكئيبة للزمن؛ لأنني لا أهتم بالمستقبل. وبالنسبة للماضي، فمهما كان سيئًا أو جيدًا لقد انتهيت منه. وما تبقى لي من مستقبل هو من صنع الماضي. مستقبل العالم هو شيء يُترك للفلاسفة وأصحاب الرؤى كي يتأملوا فيه. كل ما نملكه فعلًا هو الحاضر، وحتى الحاضر قليل منا عاشوه حقًا. في الثمانين أؤمن بأنني شخص أكثر مرحًا مما كنت عليه في العشرين أو الثلاثين. بالتأكيد لا أريد أن أعود مراهقًا مرة أخرى. قد يكون الشباب مليئًا بالمتعة، ولكنه أيضًا مؤلم ويصعب تحمّله. وما يسمّى بالشباب في نظري، ليس شبابًا، بل شيء أشبه بشيخوخة سابقة لأوانها. لقد كنت ملعونًا أو محظوظًا عندما حظيت بفترة مراهقة طويلة؛ لقد وصلت إلى مرحلة النضج بعد أن تجاوزت الثلاثين. وفقط في أربعينات عمري بدأت بالشعور بأنني شاب فعلًا. كنت جاهزًا وقتها.
بيكاسو قال ذات مرة: «عندما يبدأ المرء بالشعور بشبابه بعد بلوغه الستين، يكون الوقت قد تأخر كثيرًا». عند هذا الوقت كنت قد خسرت أوهامًا كثيرة، ولكن لحسن حظي لم أخسر حماستي، أو متعة الحياة، أو فضولي الذي لا ينتهي. ربما كان هذا الفضول تجاه أي شيء وكل شيء- هو ما جعلني الكاتب الذي أنا عليه الآن. لم يفارقني الفضول أبدًا. حتى أكثر الأشياء مللًا بإمكانها أن تجذب انتباهي، إذا كنت في مزاج مناسب للاستمتاع بها.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري