كتاب وأراء

أنا دانييل بليك!

في فيلمه الأخير «أنا دانيل بلاك»، المخرج كين لوتش لم يفاجئنا، غضبه المشتعل ذاته. صراعه من أجل حياة أجمل. فعلها مراراً في أفلامه: حياة عائلية، ريف راف، تمطر حجارة، ليدي بيرد، إسمي جو، وفلمي: سويت سكستين والملاحون.
لذا لن أتحدث عن رسالية الفيلم، ليس عن ثورته ضد البيروقراطية الجشعة التي جوعّت الآلاف، لم يكن دانيل وجارته ريتشيل (عزباء وأم لطفلين)، لم يكونا ضحيتيها الوحيدين. ليس هنا أتوقف. إنما ما جعلني شاردة تماماً بعد الفلم أمر آخر، هو العمق الفلسفي لجوهر الخير، لتلك الطاقة اللطيفة التي لا يمكن أن تمسها الحياة البشعة بأي لطخة، ولو حاولت لخرجت الروح بيضاء من غير سوء. دانيل بلاك، ستيني لم يعد قادراً على مزاولة عمله بسبب نوبة قلبية، ريتشيل أم لطفلين بسبب انتقالها من لندن فقدت عملها، تلاقى الاثنان في صراعهما ضد بيروقراطية الضمان الاجتماعي الذي لم يبدِ تعاونا معهما. كان مآلهما الجوع، البرد، الأسى وكل ما يحزن الفقراء. دانييل باع أثاث شقته، بينما ريتشيل باعت جسدها! هنا فقط أتوقف، هنا فقط بدأت الأسئلة القديمة تتفرقع بداخلي: ما الذي حمى قيم دانييل، فيما سقطت قيم ريتشيل؟ لن أقع في فخ المقارنة، لن نجعل الأطفال شماعة، لن يقنعني حجة الشباب والجمال عندما يكونان جحيمًا. ليس الأمر بهذه السطحية.
قبل أسبوع شاب عشريني سألني: لماذا ـ ورغم أنني محاط بكل شيء ـ لا أحب ارتكاب الآثام؟ والديّ بعيدان، نحن اثرياء، كل الأبواب مشرعة، لكنني لا أحب ما يفعله بقية الشباب.. لماذا؟
إنها جذوة الخير الممانعة للانطفاء.
كان يمكن لدانييل أن يسرق، لكنه لم يفعل. كان يمكن أن يكون أنانيا فجًا.. المنحرفون يجدون دائماً المبررات. الغضب يعمي البصيرة. يمكن للحانق من الحياة، لليائس أن يقتل دون ضمير، لأنه هناك في شماله شيطانًا يعزف تنويمة الضمير، شيطان فلسفي وذكي ومقنع أيضًا. لكن دانييل، ومثله خيرون وأنقياء، يمتلكون تلك العصمة الخيارية، التي تصيبهم بالقشعريرة، التقزز من الباطل، الظلم والشر. ليس فقط ذاك الواقع عليهم، بل حتى ذاك الذي يصدر منهم تجاه الآخرين، تجاه ذواتهم. هؤلاء هم أصفياء كل زمان، أصحاب الجذوة التي لا تنطفئ!
بقلم : كوثر الأربش

كوثر الأربش