كتاب وأراء

لا بديل لها!

كل سنة كان الصحفيون يتصلون ويذهبون لاجراء اللقاءات والتقاط الصور للمرأة التي ربت ستة أيتام لوحدها، كلما اقترب عيد الام تذكروا ان هناك اما اسمها «نظيرة» ومن واجبهم أن يذكُروها بما فعلت من اجل هؤلاء الايتام، وكانت توافق على كلامهم، فهذا الاهتمام الذي تحظى به مرة في العام يرضي غرورها، لكن ما ان ينتهي النهار وتودعهم حتى تعاود التفكير على الفور بخيبة حياتها، بتلك الهزيمة غير المفهومة التي لحقت بها، والتي تفسد عليها انتصاراتها، وتعاود التفكير بذاك الذي رحل وتركها وحيدة.. ابنها البكر الذي اقتطعت من قوتها وقوت اخوته لترسله إلى الجامعة، ثم لتبعده عن البلد بعد أن انخرط في السياسة واصبح مطلوبا ومهددا، وبعد أن استقر في أميركا انقطعت اخباره، تزوج وانجب خمسة اطفال.. كبروا واصبحوا نساء ورجالا.. ولم يكلف خاطره بارسال رسالة واحدة يُطمئن فيها والدته عليه أو يطمئن عليها.. وبعد تسعة وعشرين عاما من القطيعة أرسل رسالة لاخيه الذي يصغره بعام يبرر فيه موقفه: «قد اكون أوحيت لك بأنني عديم الاحساس أحيانا، لا أقدر بُطولة أمنا، وتحملها أعباء الاسرة بعد رحيل والدنا المبكر، منذ واحد واربعين عاما، كيف عساني أنسى تلك اللحظة التي رأيتها فيها، الساعة الثالثة فجرا، تذرف الدموع بسبب همومها ومسؤولياتها الجسيمة، منهمكة في تطريز قطعة من القماش، على الرغم من كل المهام التي تنتظرها في اليوم التالي، لأن عليها أن تكسب بعض المال لتلبية حاجات أسرتها؟ ونهضت من سريري وقبلتها قائلا: «لا تهتمي يا أمي، قريبا سوف نكبر ونرعاك، ثم انتبهت إلى منديلها الرث وأضفت «وسوف اشتري لك حينها منديلا جديدا.. لم أشتر لأمي هذا المنديل الجديد أبدا، فقد شاء الله، أن اترك لاخوتي واخواتي مهمة مكافأة أمي في شيخوختها على كل العذابات التي قاستها من أجلنا.. أما انا فقد كرست نفسي لاصبح رجل دين»، واستعرض امام أبن اخيه، الذي بات اديبا معروفا «أمين معلوف» وسافر لكي يلتقي به ربما بدافع الفضول، موس حلاقة احتفظ به لاكثر من اربعين عاما، وكان يتباهى بحرصه على هذا الموس القديم والذي يحلق به كل صباح، اما والدته التي ربت وكافحت وتعبت فتفضل عليها برسالة بعد ما يزيد على عشرين عاما يعلن فيها أنه على استعداد لاستقبالها لو شاءت زيارته، بشرط اعتناقها الكاثوليكية، ولم تتردد ابنة المبشر المشيخي لحظة واحدة، لأن لقاء ابنها يستحق التضحية، فاعتنقت الكاثوليكية سرا، وفي سن الســـبعيــن ركبت الطائرة لاول مرة.. انها في النهاية أم.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري