كتاب وأراء

الباصات الخضراء وذاكرة السوريين

تشكل الباصات ( الاوتوبيتسات) ذات اللون الأخضر جزءا كبيرا من الذاكرة الجمعية للسوريين، من أجيال مختلفة، هذه الباصات التي انتشرت في كل سوريا، أزعم أنه لم يبق سوري واحد من الطبقة الوسطى وما دون إلا استقلها، حال السوريين في ذلك حال كل بلاد العالم الثالث المشابهة، حيث ثمة مستويات للنقل تتناسب مع الاختلافات الطبقية، كانت خلفيات مقاعد الباصات تمتلئ بالكتابات المختلفة، قد تقرا مثلا جملة شعرية لمحمود درويش أو لمحمد ماغوط، أو كلمات مقطع من أغنية لفيروز، أو كلمات حب بسيطة أو حكما وأمثالا معروفة، وربما تقرأ شتائم سوقية، وقد تجد على نفس الخلفية رسم ساذج لقلب مصاب بسهمين، أو رسم محترف بقلم رصاص، قد تجد لو أنك استقليت أحد هذه الباصات تلك الفترة كل شيء عدا ما يخص السياسة، كان الخوف من بطش النظام في العقود السابقة في أقصى حالاته، لم يكن لراكب باص نقل عام أخضر أن يتجرأ على كتابة قدح بأي رمز من رموز النظام، لم يكن لهاو رسم ان يتجرأ على رسم ما يثير الشبهة السياسية، إذ ثمة ظن دائم بأن الشخص الجالس إلى جانبك قد يكون عنصر أمن، أو في أقل الأحوال قد يبلغ عنك الأمن، فتذهب إلى حيث لا يعلم إلا الله اين أنت! إلى أن بدأت الثورة في منتصف شهر مارس 2011، كان جزء من الحراك المدني لشباب الثورة تلك الفترة، وضع ملصقات مكتوب عليها شعارات الثورة على خلفية مقاعد وسائل النقل العام، منها بطبيعة الحال الباصات الخضراء، كان الأمر يشبه الصدمة في البداية، الصدمة التي أحدثها التغيير المفاجئ من حالة الرعب الشديد إلى الجرأة المدهشة، لاحقا أصبح الأمر معتادا لدى ركاب هذه الباصات، ولم يعد لدى عناصر الأمن والشبيحة وقت لإزالة الملصقات والكتابات، بدأ وقتها ظهور الكف الباطشة والمجرمة للنظام، هذه الكف التي استخدمت الباصات نفسها لتملأها بالمتظاهرين الذين يتم اعتقالهم من المظاهرات في ريف دمشق ودمشق وباقي المحافظات الثائرة، تحول المشهد ليصبح كالتالي: باصات خضراء ممتلئة بشباب وشابات رؤوسهم منخفضة وثمة هراوات تنهال على الرؤوس بينما الباصات تتابع طريقها نحو المعتقلات المعروفة والمجهولة، هذا المشهد أيضا صار جزءا من الذاكرة الجمعية للسوريين، لاسيما في الأماكن التي انطلقت منها المظاهرات، مع مرور الوقت، وتسليح الثورة وانعطافاتها، وتغيير مآلاتها، وتحولها إلى حرب متعددة الأطراف، وازدياد شراسة النظام وحلفائه وتعدد طبقات الحقد لديه على السوريين الثائرين، وبعد الحصار والتجويع ومنع أسباب الحياة عن غالبية بيئات الثورة، بدأ التهجير الطائفي وتغيير التركيبة الديموغرافية السورية، المصالحات التي شرطها الأول تهجير الثائرين وعائلاتهم ومن يرغب من الآخرين إلى الشمال السوري، حصل هذا في أكثر من مكان من سوريا، مرة أخرى كانت الباصات الخضراء هي الوسيلة لهذا التهجير، مرة أخرى أيضا احتلت الباصات جزءا كبيرا وقهرا وانذارا بما يحدث لمستقبل سوريا.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران