كتاب وأراء

دفاع العقاد عن الثقافة العربية «2-3»

يستطرد العقاد في التأكيد على الحقيقة التاريخية التي تثبت أن الثقافة العربية سبقت الثقافة اليونانية والثقافة العبرانية لا كما يزعم الغربيون لأنهم يريدون أن يحتكروا السبق والتفوق قديماً وحديثاً. فيبدأ من حقيقة تاريخية يسلم بها الغربيون أنفسهم وهي أن اللغة الآرامية كانت هي اللغة السائدة عند نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد. واللغة الآرامية هذه هي اللغة الغربية القريبة جدا من اللغة العربية الفصحى بعد تطورها.

ويثبت العقاد أن الثقافة الآرامية هي ثقافة عربية في لغتها ونشأتها ولا يمكن أن تنسب إلى أمة غير الأمة العربية في عهودها الأولى، وهذا يعني أن الأمة العربية هي صاحبة الفضل على الثقافة العالمية لأنها سبقت في الوجود على أية ثقافة أخرى، والثقافات الأخرى نشأت بعدها مستمدة روحها وكيانها منها فالثقافة العربية هي البداية وهي الأصل وهي الجذور لشجرة الثقافة العالمية ويستند العقاد إلى قول المؤرخ اليوناني القديم هيرودوت في الكتاب الخامس من تاريخه أن الفينيقيين أدخلوا معهم إلى اليونان صناعات كثيرة منها صناعة الكتابة التي كان اليونان يجهلونها ونقل اليونان الكتابة الفينيقية بغير تعرف وظلوا يكتبون السطور مني اليمين إلى الشمال كما تكتب اللغة العربية اليوم ولم تظهر لليونان كتابات من الشمال إلى اليمين إلا في القرن السابع قبل الميلاد. والثابت أن الحروف اليونانية القديمة كانت كالحروف العربية، والنقوش وأسماء المواقع في البلاد اليونانية تدل على وصول العرب وحضارتهم إلى تلك البلاد.

ويدلل العقاد على اقتباس اليونان من العرب كتابة الكلمات لاسيما الألفاظ التي تدل على نظام المعيشة مثل كلمة برج العربية هي برجوس في اليونانية وكلمة قلم هي كلموس وكلمة القرطاس في اليونانية كرتيس والسير هي سيرا اليونانية. وكما سبق العرب اليونان في اللغة والثقافة سبقوهم في الكتابة والملاحة وقياس ما تحمله السفن ووزنه وتقديره.

وأهم ما كشفه العقاد هو أن الفلسفة اليونانية التي رأى الغربيون أنها نشأت في اليونان وقالوا إن طاليس اليوناني هو الأب للفلسفة اليونانية كلها والثابت تاريخيا أنه تعلم الفلسفة في مصر ونقلها إلى بلاد اليونان وتعلم الهندسة من المصريين وكان هو وخلفاؤه تلاميذ للمصريين في العلوم الرياضية والمنصفون من المؤرخين في الغرب يعترفون بأن اليونان نقلوا الفلسفة عن الشرق ثم تطورت على يد أرسطو وتلاميذه وعلى يد أفلاطون الذي تعلم في مصر.

ويستشهد العقاد بحقيقة تاريخية لا جدال فيها وهي أن القرون الوسطى لم يظهر فيها فيلسوف أوروبي واحد إلى أن اخذ الغربيون الفلسفة من العرب في الأندلس، وكانت الأندلس هي مقر العلم والتعليم يذهب إليها الراغبون في التعلم ويتتلمذوا على أيدي العرب ثم نقلوا العلوم والحكمة والفكر العربي إلى اللغة اللاتينية وعلى أساس العلوم العربية خرجت أوروبا من عصور الظلام ودخلت عصر النهضة

ويكشف العقاد زيف الادعاء الغربي بأن ثقافة العبريين هي الأقدم ويقدم الدليل على أن العبريين منذ بدايتهم وحتى القرن العشرين ظل محصولهم من الثقافة محصور المستغل والوسيط وليس محصول المبدع الذي ينتج جديدا وفي الثقافة الدينية لم يبدع العبريون شيئا بل أخذوا ما لديهم عن غيرهم ولم يضيفوا إلا الأساطير والخرافات والطلاسم والشعوذة، وقد تتلمذ العبريون على أيدي العرب.

هذه الحقيقة يجب أن يعرفها الشباب العربي ليدرك قيمة أمته العربية وفضلها على الثقافة العالمية وعلى الفكر الإنساني كما كان لها الفضل في العلوم.



بقلم : رجب البنا

رجب البنا