كتاب وأراء

ذكرى كمال جنبلاط تكشف سياسيي اليوم

ما أشبه اليوم بالأمس! أمس عمره أربعون سنة يوم سقط الزعيم اللبناني كمال جنبلاط في 16 مارس 1977 برصاص النظام السوري، بعد أن كان حافظ الأسد قد دفع قبل أشهر بجيشه إلى لبنان لـ«تقليم أظافر» فصائل «منظمة التحرير الفلسطينية» وفرض وصايته التي دامت نحو ثلاثين سنة على لبنان.. اغتيل جنبلاط، لأنه وقف رافضاً انتهاك سيادة لبنان والتدخل في شؤونه الداخلية.. فيما لبنان الرسمي اليوم يتحرك على وقع وصاية تمت مأسستها من أعلى رأس الهرم وبحماية أداة داخلية مدججة بالسلاح.
أطل جنبلاط باكراً على الحياة السياسية نائباً في البرلمان، ثم أسس عام 1949 «الحزب التقدمي الاشتراكي» وله من العمر 32 سنة فقط.. صحيح أنه سليل عائلة إقطاعية، ذات نفوذ واسع في جبل لبنان منذ ما قبل الاستقلال، إلا أنه أصبح زعيماً سياسياً مميزاً، ورجل فكر وصاحب ثقافة موسوعية.
كان يكره بشدة العسكر والأنظمة الشمولية، وأول من وقف يحاضر في الديمقراطية، ويكتب عن الحرية والمواطنة.. لم يخف إعجابه بجمال عبدالناصر، إلا أنه يوم إعلان الوحدة بين مصر وسوريا في دمشق عام 1958، قال له: «مطلبي استقلال لبنان وأرفض أن أكون أسير السجن العربي الكبير».
ولاحقاً، وضع حافظ الأسد يده على لبنان، دجّن مؤسساته ونهب اقتصاده.. وعين «والياً عسكرياً» يدير سياسته من سهل البقاع، حيث أقام.. اتبع سياسة «فرق تسد» بين اللبنانيين والفلسطينيين، وبين اللبنانيين أنفسهم.. وكان على كمال جنبلاط وياسر عرفات أن ينصاعا لسياسته.
تمرد جنبلاط، وكان آخر لقاء مع الأسد في خريف 1976عاصفاً، أصر فيه على مواقفه رافضاً طرح الكونفدرالية بين سوريا ولبنان والأردن، ورافضاً للتدخل العسكري السوري في لبنان.. أما اليوم فرئيس الجمهورية هو من يشرعن السلاح الميليشياوي المرتبط بنظام الوصاية السورية والإيرانية، وهو من يسعى لإعادة الاعتبار لنظام بشار الأسد على الصعيد العربي.
في بداية عام 1977، غادر جنبلاط بحراً إلى باريس، بحثاً عن دعم دولي في مواجهة صلف النظام السوري، فاعترضته البحرية الإسرائيلية، واحتجزت الباخرة التي كان يستقلها ساعات في عرض المتوسط.. وفي باريس، استقبله الرئيس الفرنسي يومذاك، فاليري جيسكار ديستان، واعداً بعقد مؤتمر دولي حول لبنان.. ثم في القاهرة التقى الرئيس المصري أنور السادات، الذي نصحه بالبقاء في العاصمة المصرية، لأن لديه معلومات عن احتمال تعرضه للاغتيال.. إلا أن الزعيم اللبناني آثر العودة إلى لبنان، ليواجه مصيره على أرضه.. ويوم 16 مارس 1977 وهو في طريقه إلى بيروت، تعرض لرصاصات قاتلة على بعد أمتار من حاجز للجيش السوري.
كان جنبلاط ينزل إلى الشارع ويتقدم المتظاهرين دفاعاً عن الحريات وعن حقوق العمال ومطالب الطبقات الشعبية، واغتياله قضى على المشروع الإصلاحي الذي حمله منذ ما قبل اندلاع الحرب اللبنانية.. وتحول الصراع في لبنان إلى صراع طائفي ميليشيوي، يستمر اليوم بأشكال مختلفة، داخل المؤسسات وخارجها.. ومنذ عدة أيام يغلي الشارع اللبناني بتظاهرات شعبية رفضاً لمجموعة من الضرائب التي قررت الحكومة ومجلس النواب فرضها لتمويل الخزينة، وتشتم الطبقة السياسية وتتهمها بالفساد وسرقة المال العام.
لم يكن جنبلاط سياسياً بالمعنى التقليدي، إذ كان يعتبر أن ضمير الإنسان هو الأهم: «إذا خير أحدكم بين حزبه وضميره، عليه أن يترك حزبه ويتبع ضميره، لأن الإنسان يمكن أن يعيش بدون حزب، لكنه لا يستطيع أن يحيا بدون ضمير».. كما أن السياسة بالنسبة له «أشرف الآداب على الإطلاق».. وكان جنبلاط أيضاً كاتباً ومفكراً وفيلسوفاً صاحب نظرة إنسانية عميقة، له أكثر من ثلاثين كتاباً ومؤلفاً وديوان شعر.
كان رجلاً متواضعاً، متقشفاً في حياته الشخصية.. وكان متصوفاً، ينسحب فجأة من المعترك السياسي للاختلاء إلى نفسه وممارسة رياضة اليوغا، وزار أكثر من مرة الهند لهذا الغرض.
لايزال لبنان اليوم يعاني، مما تصدى له كمال جنبلاط وناضل من أجله، من غياب للدولة واستمرار العبث المليشيوي بأمنها وقرارها.
بقلم: سعد كيوان

سعد كيوان