كتاب وأراء

شعراء المطنزة والعازة

قبل بضعة عقود كان الناس يطلقون صفة «شاعر» على المتمكن من ناصية اللغة والقادر على نظم الشعر المتمتع بقدرات عالية في هذا المجال ويمتلك موهبة تتيح له التميز وفرض نفسه (الشاعر – حسب الوكيبيديا - هو ذلك الشخص الذي يمكنه نظم أبيات أو قصائد شعرية وفق لغة ما. قديما، كان الشاعر بالنسبة للقبائل العربية أداة للتباهي بأمجاد القبيلة بين العرب والرد على شعراء القبائل الأخرى) أي أنه كان بمثابة وزارة إعلام القبيلة.
كان الشعراء – وهم دائما في كل زمان ومكان – قليلي العدد، لكن اليوم اختلفت الأمور فصار عدد من يحملون هذه الصفة مهولا وصار كل من هب ودب يعتبر نفسه شاعرا ويتم تقديمه في المناسبات بهذه الصفة ولا يتردد حتى عن المشاركة في الأمسيات الشعرية حتى وهو يعلم بضعف قدراته وأنه مجرد شويعر أو دخيل على على هذا الميدان. طبعا لو تم التدقيق وتطبيق المعايير لما صمد من هؤلاء إلا القليل حيث الغالبية دخلوه من باب الشعر الحديث غير المقفى وغير الموزون أو ما يعرف بالشعر المنثور، دون أن يعني هذا أن هذا اللون من الشعر ليس شعرا ورواده ليسوا بشعراء.
في إحدى السنوات أتيحت لي فرصة مرافقة الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي الذي حل ضيفا على الشارقة، وأذكر أنني سألته عن هذا العدد الكبير من الشعراء الذين يتزايدون في كل يوم فقال إن الشعراء الحقيقيين لا يقلقون منهم مهما زاد عددهم لأن في مجال الشعر لا يبقى ولا يثبت إلا الشعراء الحقيقيون أما البقية فينتهون سريعا لأنهم ليسوا بشعراء، ووصفهم بالطحالب التي تعلق بجداول الماء وتزول وتنتهي بتحركه.
لكن ليس الشعراء وحدهم الذين تزايدت أعدادهم اليوم وليس بينهم إلا القليل ممن يستحق أن يحمل هذه الصفة، فالذين صاروا يحملون شهادات الدكتوراة أيضا تزايدوا رغم أن أغلبهم لا يستطيع أن يتحدث ويناقش حتى في الموضوع الذي كان سببا في منحه هذه الشهادة العليا، بينما يفترض أن من يحمل هذه الصفة يهز الأرض بعلمه وآرائه ومواقفه ويمكنه التحدث في كل موضوع والإجابة عن كل سؤال والتحدث بلغة أكاديمية تدهش كل من يستمع إليه.
الأمر نفسه ينطبق اليوم أيضا على الأطباء والمهندسين والمعلمين والصحفيين والمحامين وعلى المنتمين إلى كثير من المجالات التي يفترض ألا يحصل على صفتها إلا من يستحق أن تطلق عليه تلك الصفة بتمكنه وتميزه وقدرته على الإبداع، فأي قيمة مثلا لطبيب لا يستحق أن يحظى بهذه الصفة بل قد يتسبب في موت المرضى؟ وأي قيمة لمهندس أو معلم أو صحفي أو محام أو إعلامي لا «يملأ مركزه» ولا يثمر عطاؤه؟ وأي قيمة لروائي أو قاص أو كاتب كل همه زيادة عدد الكتب التي تحمل اسمه من دون أن يولي المضمون أي عناية وليس مهما عنده أن يضيف أو يغير شيئا في مجتمعه؟
ربما كان المعنيون هنا يستحقون صفة «رجال المطنزة والعازة».

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن