كتاب وأراء

المجد لجيل المستقبل

من الخطأ والجهالة أن ينظر إلى مظاهرات الخامس عشر من أبريل، أو ما عرف بجمعة الأرض في مصر، وما تلاها من مظاهرات الخامس والعشرين من نفس الشهر، على أنها مجرد هوجة، أو استجابة لتحريض معارضين اصطلح على تسميتهم بـ«الأشرار». ما لا يقل خطأ أو جهالة، أن يعتبر البعض قلة أعداد المتظاهرين، وقمعهم وتفريقهم بعصا الأمن الغليظة، وعدم إسفار هذه المظاهرات، عن تحقيق مطلب المتظاهرين، والنهاية السعيدة أنها فشل للمعارضين والرافضين لسياسات النظام.

مشكلة الفريق الأول، أنه يحصر سبب المظاهرات فقط في الاتفاق الذي أفضى إلى تسليم جزيرتي تيران وصنافير المصريتين إلى السعودية، واستمرار واستمراء تعليق كافة الاحتجاجات أو الغضب الذي يشهده الشارع المصري، على الشماعة الجاهزة، المتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين، أو من يطلق عليهم الآن قوى الشر.

والحقيقة في تقديري، أن الفريقين يتعاميان عن عدد من الحقائق المهمة والمؤثرة في مسيرة الوطن، شاء من شاء وأبى من أبى. فالفريق الأول، وإعلاميوه مصرون على إنكار أن ثمة حالة متراكمة من الغضب والاحتقان في الشارع المصري، ليس من موضوع الجزيرتين فحسب وإنما من سوء إدارة البلد بشكل عام على الصعيدين السياسي والاقتصادي. وحتى إذا سلمنا بأن الدافع الوحيد للغضب، هو أزمة الجزيرتين، فإن ملاحظة، أو بالأحرى حقيقة مهمة يجب تثبيتها في هذا الصدد، هي أن جيلا جديدا في مصر، لم يعد يقنعه التلقين، ولا يرهبه التخويف، وهو جيل يجب أن يسعد به جيل الآباء «ولا أبرئ نفسي» وجيل الأجداد، الذين يصرون بالباطل على تصدر المشهد، ومنح صكوك الوطنية وإلقاء اتهامات التخوين الغبية، في وجه إرادة هؤلاء الشباب، الرافضين للاستماع إلى صوت واحد مهما كان صاحبه «متسمعوش كلام حد تاني غيري»، ولا يقبل بأن يحصل على الإذن والسماح للحديث عن قضايا وطنه.. «أنا مأذنتش لحد بالكلام».. جيل لا يذعن لأوامر الصمت وغلق الحوار والجدل والمناقشة، في ما يرى مدفوعا بوطنيته أنه يستوجب ذلك «مش عايز حد يتكلم في الموضوع ده تاني»، حتى وإن ترتب على ذلك، ما يتعرضون له من عسف وقهر، واتهام أبله بالتآمر.

إن إصرار جيل الماضي على القيادة والإدارة بنفس أفكار زمنه الغابر التي تربى عليها، يزيد الشرخ ويوسع الهوة بينه وبين جيل الرفض، الذي لا يقبل إلا ما يقنع عقله، رغم أنف الاعتقال والغاز والرصاص.

وإذا كانت هذه هي مشكلة الفريق الأول الرافض للرفض والغاضب من مظاهر الغضب، والذي لا يستمع إلى جيل المستقبل، ولا يفهم لغتهم أو يحترم عقولهم وأحلامهم، فإن أزمة الفريق الثاني تتجلى في أنه يرى أن نجاح أية مظاهر للغضب والرفض لابد أن تفضي إلى النتيجة التي أفضت إليها ثورة الخامس والعشرين من يناير.

سينتصر المستقبل.. ليست هذه مجرد قناعة شخصية، وإنما هي اتساق مع نواميس الحياة والسنن الكونية، فالماضي.. ماضٍ لا محالة، والمستقبل آتٍ لا ريب فيه..

فالمجد كل المجد لجيل المستقبل.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى