كتاب وأراء

ول ديورانت والبدو

هناك مقولة جائرة للمؤرخ الأميركي ول ديورانت «ويليام جيمس ديورانتWILLIAM JAMES DURANT) (من 1885 - إلى 1981) فيلسوف، مؤرخ وكاتب أميركي من أشهر مؤلفاته كتاب قصة الحضارة، يقول فيها: «البدوي لم يكن يتردد في أن يقدم وهو مرتاح الضمير على ما لا يقدم عليه الرجل المتحضر إلا من أجل بلاده أو دينه أو عنصره، أي أن يكذب، ويسرق، ويقتل، ويموت». وأنا أجده قولا مضحكا، فهو في مقابلة بين الرجل المتحضر والرجل البدوي يصف أمورا لا أخلاقية، لا، هو لا يصف، بل يصنف هذه الأمور بناء على نتائجها، في موقف براغماتي صرف؛ أنت بدوي وغير متحضر لا لأنك: لا تكذب، أو تسرق، أو تقتل، أو تخاطر بحياتك.. لا، بل لأنك تقوم بهذه الأمور (وبنفس ضمير الرجل المتحضر) ولكن من أجل أهداف أخرى.. أنا وتحت هذا المنظور أجد للبدوي تبريرا، قد لا أكون مقتنع به، لكنه تبريرا يتفق مع (المسطرة) الأخلاقية عند ديورانت؛ فمثلا، عندما يتم حصر ثروات البدو كلها مجتمعة في فترة من فترات التاريخ ونجد أنها لا تكفي لإنشاء كنيسة أياصوفيا، أجد من المنطقي للبدوي أن يقتل ويخطف وينهب كي يعيش، كي ينقذ نفسه من العوز المهلك الذي يكتنفه، بل أجد في هذا فعلا أخلاقيا يتصف بالقيمة أكثر من لو تم من أجل مصلحة وطن. عندما يشارف الكائن البشري على تخوم ما يفصل بين الموت والحياة، لا يمكن عندها تطبيق القيمة الأخلاقية (الكانطية) حيث تتمثل الأخلاق في الفضيلة، والحق من أجل الحق، وحيث لا ترتبط القيمة الأخلاقية بنتائجها، ففي النهاية الكائن البشري حتى البدوي كائن وجودي.. لا وجود للأخلاق (كقيمة مستقلة عن نتائجها) لا وجود فاعل لها.. بقدر ما يوجد فعل القانون كحالة دفاعية اجتماعية، المجتمع اكتشف القانون لأن الأخلاق أداة عاجزة ومشروطة وتحتاج إلى تسبيب.
لذا فكرة هجاء البدو فكرة لا تمتد حقانيتها من مبررات عقلية بقدر ما ترتكز على نظرة طوباوية.. تنظر إلى الأخلاق بشكل صوفي متعالٍ. ومع أن القبيلة ظاهرة بدوية كما يقول ابن خلدون، إلا أن لها تمايزها الواضح، لذا يجب أن يفصل التآخي بين مفردة قبيلة ومفردة بدو، ثم أن كلمة بدو يجب أن يعاد تقسيمها، إذ أن القيم الأخلاقية للبدو ليست هي نفسها في كل مكان، بل أن هناك تمايزا أخلاقيا بين هذه التقسيمات للبدو، تفرضها الطبيعة المعاشة لكل صنف، وفق نظريات الفعل عند ماكس فيبر، وكذلك وفق نظرية الوجود الاجتماعي (المجتمع لا يزول بزوال أفراده). قد يكون من الصعوبة أخذ هذا التمايز بعين الاعتبار، منبع هذه الصعوبة هو الفصل بشكل واقعي عملي بين القيمة الأخلاقية والغاية، بين الانتفاع والمصلحة، وعندما ينظر إلى السياسة الاجتماعية البدوية في مفهومي التملك والانتفاع لا يمكن بحال عزلها عن ذريعة القيم المترتبة عليهما. فعلى سبيل المثال، إن المخاطرة بالنفس، يتم، ليس وفق قيمة مطلقة متعالية في الخارج، ولكن تحت ذريعة ذاتية محضة لا تُقَيم بمعزل عنها، ولا ترتفع درجة في سلم القيم الأخلاقية كونها ذريعة ذات بعد يختلف عن الأخرى.
ومن الجور محاكمة طائفية بشرية على اعتبار طوباوي رومانتيكي «الفلاح الطيب عند فيرجيل» ذا الطابع الأخلاقي المكتمل، لكنه، ومع الأسف، نظري عند التحقيق والمراجعة، إذ لا يمكن تحقيق طوباوية أخلاقية إلا في خيال الشعراء والمتصوفة.. أقول من الجور القيام بهذا الاختبار الأخلاقي للإنسان البدوي والذي من المؤكد أنه سوف ينال درجة متدنية فيه، مثله مثل أي إنسان آخر. أنا أعتقد أن القيمة ترتبط ارتباطا عضويا بالنفع، نعم، البدوي لا يقتل غدرا بدون مبرر مثله مثل أي إنسان، لكنه يقتل ببرودة دم، غدرا وغيلة واحتيالا عندما: يجوع.. الحالة الأولى يمكن وصمها بالفعل غير الأخلاقي، كونها أمرا غير مبرر، أما الثانية فهي مبررة لذا، وبشكل منصف، يمكن التفاهم معها.. مثلما يمكن التفاهم حول القتل تحت ذريعة أخرى، وهنا يمكن الاختلاف والاتفاق حول التفاوت القيمي للقيمة، عندما نشترك في ذات الفعل غير الأخلاقي تستطيع تمرير دوافعك التي تقتنع بها مثلما يستطيع البدوي تمرير دوافعه أيضا.
بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد