كتاب وأراء

بغداد من الشعر إلى أسوأ المدن

ليس من المستغرب أن تحتل عاصمة النمسا فيينا، التي تقع على نهر الدانوب، في قمة قائمة ميرسير للمدن على المرتبة الأولى ولثامن مرة على التوالي، كأفضل المدن للعيش بها، حيث توفر أعلى مستوى لجودة الحياة، وحتى لو احتلت مدن أوروبية أخرى كجنيف أو برلين أو فانكوفر الكندية على المرتبة الأولى، أيضاً لن يملؤنا العجب أو التفكر لماذا حصلت مثل هذه المدن المتطورة جداً، لأن تكون في المصاف الأول ويمكن لأي فرد في العالم العيش بها والتمتع برغدها، فزيارة واحدة لأي من هذه المدن ومعرفة تفاصيل التعليم والصحة بها، ستخرس كل أسئلتك المثارة، وبعدها لن تعاود السؤال مرة أخرى.
ولكن إلى جانب ذلك، عليك أن تتعرف على أسوأ المدن التي لا يمكن العيش بها، حيث احتلت عاصمة العراق بغداد قائمة أسوأ مكان للعيش بحسب ما نشرته هافتنغون بوست، التي قالت ان المسح شمل 231 مدينة حيث يتم استخدام عشرات المعايير، مثل الاستقرار السياسي والرعاية الصحية والتعليم والجريمة والترفيه والنقل، ومثل هذه المعايير لن تجدها على سبيل المثال في بغداد أو أي من مدنها المتعددة، وأيضاً لن تجدها في دمشق أو حلب، وهذا أمر يدعو إلى الحزن والشعور بالخزي والألم والشفقة على الوطن العربي، الذي وجد بعض حكامه أن الرئاسة هو أهم ما يطمعون به، وليذهب الشعب إلى الجحيم، فبغداد التي تعد ثاني أكبر عاصمة عربية بعد القاهرة، وبناها الخليفة العباسي المنصور في القرن الثامن، واتخذها عاصمةً للدولة العباسية؛ لتصبح بغداد بعدها ذات مكانة عظيمة، تحتل اليوم قائمة أسوأ المدن، متخلية عن دورها كأهم مركز للتعليم، حيث كانت ملتقى للعلماء والدارسين لعدة قرون من الزمن، وحظيت بغداد بعدد من حالات التتابع المدني في إطار موقع واحد، ففي إطار موقع الرافدين تتابعت العواصم من بابل القديمة إلى سلوقية الإغريقية وقطيسفون الفارسية، التي كانت تعرف بمدائن كسرى، ثم بغداد العربية الحالية.
لقد كانت بغداد ولقرون مديدة مدينة شابة وفتية، مليئة بالجمال المجرد والزهو المفرط، ووصلت إلى ذروة مجدها في عصر الخليفة الخامس العباسي هارون الرشيد، أما الآن فالقائمين عليها لا يريدون بغداد صاحبة الحضارات وعاصمة العالم القديم، عاصمة الشعر والأدب والحكايات والفن الجميل، إنما يريدون فقط ثرواتها وقتل الروح العتيقة التي كانت تسمو بها، فقد أصبحت بالنسبة لهم مصدر ليست مكاناً يبحثون عن الفخر بها، وإنما عبارة عن خزينة للثراء والتطرف الديني ومرتعاً للقتل والتجويع والفقر ليس إلا! وتأتي في خاطري قصيدة الشاعر الكبير مظفر النواب- يرحمه الله- حينما أنشد قائلاً: «وطني علمني... علمني أن حروف التاريخ مزورة حين تكون بدون دماء، وطني علمني... أن التاريخ البشري بدون الحب عويلاً ونكاحاً في الصحراء، وطني... هل أنت بلاد الأعداء؟ هل أنت بقية داحس والغبراء».

بقلم : سارة مطر

سارة مطر