كتاب وأراء

امتحان مادة «النضج»

متى تنضج الشعوب؟ ليس هذا سؤالا استنكاريا، أهدف من طرحه أن أنعى على شعوب المنطقة سذاجتها، وقلة وعيها، ولا أبغي منه تقريعها على جهلها وتخلفها ورجعيتها وعدم مواكبتها للعصر، باعتبار أن من يكتب، هو– أبو العريف المتثقف المتنور- وأنه قادم من كوكب آخر، وأن الكتابة تمنحه الحق في ممارسة الاستعلاء الأجوف.

إنه سؤال استفهامي، وجاد جدا، اطرحه بمناسبة مواصلة ترديد المقولة الاستبدادية، إن الشعوب لم تنضج بعد لتكون مؤهلة للحرية والديمقراطية.. ومن ثم فإن الحريات وحكم المؤسسات مؤجل إلى أجل غير مسمى، باعتبار أن لا تاريخ ولا موعد ولا شواهد يمكن أن تغير توصيف الشعب– أي شعب– من طفل قاصر، لا يعرف مصلحته، ولا يجيد استخدام الحرية، ولا ممارسة الديمقراطية، وأن الأنظمة والحكومات ستظل هي بابا وماما!

بالتأكيد لن يصدق، أصحاب مقولة «الشعوب غير ناضجة» وأنصارهم، أن الأفكار التنويرية التي ظهرت في أوروبا، لم تحل دون خوض الشعوب صراعات قاسية، وأن التجربة ومؤسسات المجتمع المدني، هي من أسهمت في إنهاء هذه الصراعات، وزيادة الوعي الشعبي، وبالتالي خلق أجيال ديمقراطية– على الاقل داخل دول القارة– باتت الحرية ممارسة وسلوكا طبيعيا لأفرادها.

كما لن يعبأ مروجو الاستبداد ودعاته، بتجارب دول كالهند والبرازيل وتركيا، تجتهد في بناء المؤسسات الديمقراطية، وتطلق الحريات، دون أن تقعدها العراقيل، أو قلة الوعي والنضج، عن الاستمرار في هذا المسار، وهو ما أدى إلى رفع هذا الوعي، ومن ثم تحسن الاقتصاد والأمن، وان الدول المتمترسة خلف المقولة الاستبدادية، لا وعيا رفعت، ولا اقتصادا حسنت، ولا أمنا حققت.

أعرف أنه وردا على ما سبق، سيخرج علينا، أشخاص «شيك»، يجيدون التنظير والتأطير، واللف والدوران، من أولئك الذين يطلق عليهم وصف «النخبة»، ليقول الواحد منهم بكل ثقة واقتدار، يا سادة الديمقراطية ثقافة نحتاج إلى سنوات لترسيخها، ولا تحدث «بكبسة زر»، ورغم ما يؤكده ذلك من أن ألازمة في الأساس هي أزمة مثقفين ونخب، لا أزمة شعوب وأمم.. فإنني أضع بين يدي هؤلاء وأولئك، اقتراحا بسيطا وساذجا، لكنه قد يكون ملائما للخروج من هذه الأزمة، مفاده أن تخضع شعوب المنطقة لامتحان شفوي وتحريري، في مادة «النضج»، والشعب الذي يحصل على معدل مرتفع، يمنح الشهادة والختم والاعتماد بأنه أصبح مؤهلا للديمقراطية، وجديرا بالحرية، ومن ثم تكون الأنظمة ملزمة بالتنفيذ.

بالطبع سنواجه بإشكاليتين رئيسيتين، أولاهما تتعلق بالمنهج الذي يجب أن تذاكره الشعوب، قبل الامتحان فيه، وما إذا كان مسموحا بالحصول على دروس خصوصية للتقوية، أم لا؟ والثانية هي تلك الجهة التي ستقوم بوضع الامتحان وتقييم الإجابة ومنح المعدل، فالخوف ان توكل للأنظمة ومنظريها «الشيك» المهمة، فتكون النتيجة، أننا شعوب «غير ناضجة».. وساقطة.. في الامتحان!

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى