كتاب وأراء

«الشعبوية» و«تويتر» .. لماذا العلاقة ؟

أصبحت التغريدات على موقع «تويتر» إحدى أشهر مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة رائجة ومؤثرة، يلجأ إليها من يتصدرون المشاهد السياسية في كثير من البلدان سواء كانوا على مستوى القادة أو غير ذلك، للتعبير عن مواقفهم مما يجرى حولهم من أحداث مهمة تتصدر عناوين الأخبار. وغالبا ما يتسم التعبير بالاعتراض أو التأييد، وبالتحريض أو المساندة، بما يعكس في المجمل حالة من الانقسام الشديد بين القوى والمواقف المختلفة.
ودون الدخول في تفاصيل الأدبيات المتعددة التي تطرقت لمفهوم «الشعبوية»، فإن ملامحها التي لا خلاف عليها تشمل التوجه إلى الجماهير أو «الشعب»، بخطاب سياسي يدغدغ الغرائز الأولية ويستثير العواطف بحجة أنه التعبير الواقعي عن حياة الشعب. وكذلك تجاوز المؤسسات القائمة وإظهارها بالعجز والفشل وبدلا من ذلك العمل المباشر مع الشعب دون واسطة. وبالمعنى المشار إليه للمقصود عن «الشعبوية»، هناك علاقة ترابط بينه وبين وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدا موقع «تويتر». لأن هذه الوسائل مفتوحة بلا قيود من حيث الأصل وتعد بديلا للتعبير عن الآراء والمواقف خارج نطاق المؤسسات التمثيلية. ويعد موقع «تويتر» هو الأكثر شهرة لفعاليته الفائقة في نقل الرسائل بين مستخدميه، ووظيفته تقديم خدمة التدوين المصغرة التي تسمح لمستخدميه إرسال ما يعرف «بتغريدات» تتيح إمكانية الرد بالإعجاب من «مغردين» آخرين.
وقد تلاقت قوة تأثير «تويتر» مع غايات أنصار «الشعبوية «. وصلة الترابط هنا ترجع إلى أمرين مهمين. فمن ناحية كلاهما يستند إلى العمل من خلال فضاء مفتوح حيث لا قيود وممارسة الدور البديل للمؤسسات، وكلاهما حريص على الوصول مباشرة وبصورة مؤثرة إلى الجماهير أو الشعب دون أي وسيط، ومن ناحية أخرى كلاهما مسكون بلغه الحشد والتأثير في العواطف وترسيخ التصورات والمواقف الحدية سواء كانت على جانب الرفض أو التأييد. وليس بعيدا عن ذلك الولوج إلى عالم التعصب والكراهية أيضا!.
وقد ساهم الظرف العام الذي يسود عالم اليوم في تعميق علاقة الترابط والتأثير المتبادل بين الظاهرتين، وذلك من حيث سمة التأزم التي يتسم بها هذا الظرف. ونجم التأزم من التراجع في أداء الاقتصاد العالمي وما ترتب على ذلك من مراجعة للعولمة، تلك المراجعة التي دفعت إلى السطح بقوى سياسية تفضل العزلة وكراهية الآخر.
ويضاف إلى ذلك استمرار الأزمات التي نجمت عن رياح التغيير التي اجتاحت المنطقة العربية، وكان من بينها ليس فقط تصدير إرهاب «داعش» إلى العواصم الغربية مما أوجد حالة من الخوف والهلع الأمني هناك كانت دافعا قويا لصعود التيارات «الشعبوية»، وإنما تصدير اللاجئين، فضلا عن الهجرة غير الشرعية مما أصبح جزءا من خطاب الترويج لهذه التيارات. وقد وجد «الشعبويون» الفرصة في وسائل التواصل بما تتيحه من حرية للحركة وقوة تأثير في الرأي العام.
تبقى العلاقة الترابطية بين الظاهرتين قائمة بكل ما تسببه من فوضى وعدم استقرار وتعميق لمناخ التعصب والكراهية طالما استمرت العوامل الرئيسة التي تستمد كل ظاهرة منهما قوتها. ولكن ما يحد من الضرر أن دولة المؤسسات هنا وهناك تقاوم بشراسة هذا الوضع. وفي الحالة الافتراضية إذا ما قدر للتيارات «الشعبوية» أن تبسط قيادتها وتقيم أنظمتها، فإنها لن تنتج سوى «دول فاشلة». مصلحة العالم والإنسانية في ألا تنتشر الشعبوية، وفي استعادة دور المؤسسات لملأ الفراغ الذي احتلته في غيابها وسائل التواصل الاجتماعي.
بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد