كتاب وأراء

قضية يتجاهلها العالم .. مأساة مسلمي ميانمار

تقدّر دراسة للأمم المتحدة عدد الدول التي تشهد صراعات داخلية على خلفية دينية أو عنصرية بخمسين دولة. أدت هذه الصراعات إلى تهجير نسبة كبيرة من سكان هذه الدول. فبلغ عدد المهجرين 65 مليون شخص. غير أن الملاحظة الملفتة هي أن معظم هذه الدول تنتمي إلى العالم الإسلامي في آسيا وافريقيا. وحدها ميانمار (بورما سابقاً) لا تنتمي إلى هذا العالم، غير أن المسلمين من سكانها يواجهون حرباً عنصرية تستهدف وجودهم.
وتستمر هذه الحرب تحت مظلة حملة الكراهية التي اتسع نطاقها ضد المسلمين على خلفية الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها تنظيم داعش باسم الإسلام.
فالمسلمون في ميانمار هم من سكانها الأصليين منذ قرابة ألف عام. الا انه خلال الاحتلال البريطاني للهند وللصين، هاجر مسلمون من الدولتين إلى ميانمار في الفترة بين عامي 1824 – بداية الاحتلال -، و1948 – ونهايته.
وهؤلاء المهاجرون هم الذين يطلق عليهم اسم «الروهينغا». وهم يعتبرون مهاجرين غير شرعيين ؛ ويعزز هذا الاعتبار عدم معرفتهم باللغة البورمية لغة البلاد الوطنية، والتي هي لغة المسلمين الآخرين من سكان الدولة ذاتها. وتعترف ميانمار بالإسلام ديناً رسمياً من الأديان المنتشرة في الدولة. ولذلك فانها تقول انها ليست ضد الإسلام كدين، أو ضد المسلمين عامة، ولكنها ضد المهاجرين غير الشرعيين الذين صدف انهم مسلمون قدموا إلى البلاد من بنغلادش ومن شمال الهند.
وفي الواقع فإن تلك الهجرات أدت إلى زيادة عدد المسلمين. الا انهم مع ذلك لا يشكلون حتى الآن سوى 4 بالمائة فقط من السكان الذين يبلغ عددهم 54 مليوناً، يعتنق 90 بالمائة منهم العقيدة البوذية. أما الباقون فيتوزعون على المسيحية (4 بالمائة)، والهندوسية ( واحد بالمائة). وإلى جانب التعدد الديني، فإن ميانمار تتمتع بتعدد عنصري أيضاً، إذ يبلغ عدد العناصر التي تؤلف الشعب هناك 135 عنصراً مختلفاً. ولكل عنصر لغته المحلية، وله عاداته وتقاليده وازياؤه الخاصة به.
صحيح أن المسلمين يتجمعون تاريخياً في ولاية واحدة هي ولاية «راخين»، الا انهم ينتشرون أيضاً في 14 ولاية أخرى. ولم يسبق لهم أن تعرضوا إلى أي مشكلة إلى أن لجأ إلى ميانمار، أو تحديدا إلى ولاية راخين، مجموعات من المهاجرين البنغاليين المسلمين بحثاً عن فرص أفضل للحياة.
غير أن ميانمار هي ذاتها واحدة من أفقر الدول الآسيوية. ونسبة الأمية فيها مرتفعة جداً. وبالتقاء الفقر مع الجهل، يصبح الدين الملجأ والمأوى.. وبالتالي يصبح الصراع الديني الوجه الخلفي للصراع الاجتماعي – الاقتصادي.
وهكذا اتسعت دائرة الصراع الذي بدأ محدوداً في جنوب ولاية راخين، ليشمل سائر الولايات الأخرى التي يتواجد فيها مسلمون بورميون منذ مئات السنين، حيث يتعرضون إلى ما يشبه حرب الإبادة.
من هنا تشكلت لجنة دولية برئاسة الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي أنان لإعداد تصور شامل لحل هذه المأساة الإنسانية بتفويض من الأمم المتحدة والى الحكومة في ميانمار، ويفترض أن يكون مشروع الحل جاهزاً قبل نهاية العام الجاري.
لم تطرح قضية مسلمي الروهينغا عندما كانت ميانمار تحت الحكم العسكري. الا انه بعد سقوط حكم العسكر انفجرت القضية اثر تشكيل أحزاب سياسية على خلفية دينية، وأهمها وأقواها البوذية. وشهد عام 2012 ذروة الاضطرابات العنصرية – الدينية والتي لم تتوقف حتى الآن. ولقد اضطر أكثر من 75 ألفا من المسلمين الروهينغا إلى اللجوء من ميانمار إلى بنغلادش في نهاية العام الماضي. وهاجر كثير منهم ايضاً إلى تايلند في زوارق الصيد الصغيرة التي ابتلع البحر معظمها بمن فيها من بشر!!.
ولم يتحرك المجتمع الدولي إلا بعد أن استفحلت مأساة هؤلاء «البشر» الذين هربوا بحياتهم.. ولم تشأ أي دولة مجاورة قبولهم.. فبقوا في عرض البحر أسابيع وشهوراً طويلة حتى مات بعضهم جوعاً.
ترى لو أن العالم الإسلامي في وضع افضل مما هو عليه الآن، هل كانت تتجرأ على مسلمي ميانمار دولة صغيرة وفقيرة ومعدمة مثل ميانمار؟.. وهل كان المجتمع الدولي صمت طوال هذه السنوات على المأساة التي يتعرضون لها؟.
ان في العالم اليوم ملياراً و600 مليون مسلم. فهل تحولوا إلى «غثاء كغثاء السيل»، كما تنبأ محذراً النبي محمد عليه الصلاة والسلام؟.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك