كتاب وأراء

إرهابيون «أوروبيون»

ما إن تقع جريمة إرهابية، إلا وتسارع المؤسسات الإسلامية لإعلان براءة ديننا الحنيف من تلك الأفعال الهمجية، تلك السرعة في تبرئة الإسلام المبتلى ببعض اتباعه، تأتي دوما في معرض الدفاع الاستباقي عن النفس، ذاك أن الغرب وبعض– الأفضل أن أقول كثيرا– من المسلمين، جعلوا الإسلام متهما أولا، وربما وحيدا بالإرهاب.

المتهمون بجريمة تفجيرات العاصمة البلجيكية بروكسل، يحملون اسماء تشي بأنهم مسلمون ومن أصول عربية.. فهل يسوغ ذلك بالإسلاميين، وانهم فعلوا فعلتهم الظالمة بدوافع دينية؟ الإجابة بمنتهى الموضوعية لابد أن تكون.. لا.

في مايو من العام الماضي، اسقط مساعد طيار طائرة جيرمان وينغز الالمانية، فوق جبال الألب، الحادث راح ضحيته، 150 شخصا، بينما كان أول ما سارعت إليه الصحف الأوروبية، والبيانات الرسمية، هي إبراء مساعد الطيار– مرتكب الجريمة – من الإرهاب، وانه لم يفعل فعلته المتعمدة، إلا بسبب حالته النفسية السيئة، ذلك فقط لأن المساعد اسمه «اندرياس لوبيتز»، أي انه أوروبي الجنسية، ومسيحي العقيدة، ومن ثم فإن اتهامه بالإرهاب، دونه خرط القتاد.

عندما قرأت سيرة الانتحاريين الثلاثة، الذين ارتكبوا جريمة تفجيرات بروكسل «الدنيئة»، تذكرت ما قاله الصحفي الفرنسي، نيكولا هينان، الذي اختطف لعدة شهور لدى تنظيم داعش في سوريا، عن أعضاء التنظيم، فقد قال هينان «هناك أنواع عدة من الأجانب، ولديهم ثقافة ضحلة وتعليم متدن، وحياتهم بائسة في الغرب، فقط ذهبوا إلى هناك لأنهم يبحثون عن الشهرة، وهم فقراء لا إيديولوجيا لهم، فعديد منهم ذو خلفية مسيحية، وبقيتهم ممن كانوا يعيشون حياة سيئة في بلدهم».

فالاخوان بكاري «خالد وابراهيم» يحملان الجنسية البلجيكية، الدولة التي ولدا وتكونا فيها ثقافيا واجتماعيا، الأهم أن ابراهيم حكم عليه بالسجن لمدة تسع سنوات، منذ سنة 2010، بسبب إطلاقه النار على أفراد الشرطة، أثناء جريمة سرقة، في حين أن خالد، تم إيقافه عام 2011، وبحوزته كلاشينكوف، وحُوكم بخمس سنوات سجناً، ولا أعرف أية علاقة تربط بين هذه الجرائم، والدين في تكوين شخصيتي الشقيقين، «المسجلين خطر»؟!.

أما نجيم العشراوي، ثالث المتهمين، فربما من الملفت للنظر في سيرته، انه درس في مدرسة سانت فامي ديلميه الثانوية الكاثوليكية ببروكسل، وكان حسب وصف مديرة المدرسة تلميذا «جيدا جدا».

خلاصة ما أريد أن اقول، إن هؤلاء الإرهابيين، أبعد ما يكونون عن الأفكار الجهادية، صحيحة كانت أو خاطئة، معتدلة أو متطرفة، ومن ثم فإن ربطهم وأمثالهم بالدين، ان لم يكن لزيادة إثارة الكراهية، فإنه على أقل تقدير ربط ساذج، يفتقر إلى جدية البحث وموضوعيته.

وبالتالي فإن على أوروبا أن تبحث جيدا في اسباب لجوء ابنائها لمثل هذه الجرائم، وعلينا – نحن العرب والمسلمين– ان نرفق بأنفسنا قليلا، ونكتفي بالإدانة الواجبة لمثل هذه الجرائم، وتقديم ما يجب من مساعدة، دون أن نضع أنفسنا موضع المتهم.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى